وهكذا بدأ نجم المعتزلة بالأفول منذ النصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، بسبب ما خسروه من النفوذ الّذي كان لهم لدى السلطة الحاكمة، وبعد عجزهم عن نيل القبول في المجتمع، وبسبب تصدّي العلماء لهم ولآرائهم ومسائلهم الّتي استحدثوها. فبعد أن كان المعتزليّ يتباهى باعتزاله ويفتخر به «أخذ مصباح المعتزلة يخبو شيئًا فشيئًا إلى أن انطفأ، وأصبح القول بالاعتزال سرًّا بعد أن كان جهرًا» (1) .
إلاّ أنّ علم الكلام يأبى أن يأفل نجمه مع أفول نجم المعتزلة. ويبدو أنّ علم الكلام من حيث هو «علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة والردّ على المبتدعة المنحرفين» (2) ، أضحى في نظر فريق من علماء المسلمين يلبّي حاجة لا يلبّيها نشاط المحدّثين والفقهاء. إذ لا بدّ ممّن يقوم بالتصدّي للعقائد الّتي حاولت -منذ استقرار الفتوح الإسلاميّة خارج جزيرة العرب- أن تقتحم على الثقافة الإسلاميّة مداخلها وجوانبها وأسوارها العالية، وأن تخترق أذهان المسلمين، من حيث لا يدرون في كثير من الأحيان.
من هنا بدا ظهور مذهب"أبي الحسن الأشعريّ"وكأنّه عين انبجست لتروي ظمأ كان يشعر به كثير من المثقّفين الحائرين في المجتمع الإسلاميّ. إذ احتاروا بين منهج عقليّ يطلق العنان للعقل -فيما يطيق وفيما لا يطيق- ويفرّط بكثير من نصوص الوحي إنكارًا وتأويلًا، نزولًا عند حكم عقول قاصرة،وبين منهج أثريّ وفقهيّ قام بأداء مهمّته على نحو رائع في مجال التشريع وأنظمة الحياة والمجتمع والدولة، ولكنّه لم يكن يملك المعاول والفؤوس الفكريّة الكفيلة بتحطيم مكر الزنادقة وأهل الفلسفات والبدع.
(1) 4- ظهر الإسلام - ج 4 - ص62
(2) - مقدّمة ابن خلدون - ص507