يقول"محمّد أبو زهرة": «اشتدّت حملة المعتزلة على الفقهاء والمحدّثين، ولم يسلم من حملتهم فقيه معروف أو محدّث مشهور، فكرههم الناس وصاحب ذكرهم البلاء والمحن وتأرّقت العداوة، حتّى نسي الناس خيرهم فنسوا دفاعهم عن الإسلام وبلاءهم فيه، وتصدّيهم للزنادقة وأهل الأهواء، نسوا هذا كلّه، ولم يذكروا لهم إلاّ إغراءهم الخلفاء بامتحان كلّ إمام تقيّ ومحدِّث مهديّ.
«ولّما جاء المتوكّل وأبعدهم عن حظيرته، وأدنى خصومهم، وفكّ قيود العلماء، تجرّد لمنازلتهم جماعة من الفقهاء ومن نهجوا نهج السنّة في دراسة العقائد، فبعض العلماء الّذين أجادوا طريقة المعتزلة في المجادلة لم يأخذوا بآرائهم، فجادلوهم بلسان عضب، ومن ورائهم العامّة يؤيّدونهم. وبعض الخاصّة يرافقونهم والخلفاء يناصرونهم» (1) .
لقد كان"أبو الحسن الأشعريّ"، الّذي لمع نجمه بين نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريّ، أوّل من سلّ سيف علم الكلام لينازل به روّاد الكلام الأوائل. فلقد «تخرّج على المعتزلة في علم الكلام، وتتلمذ لشيخهم في عصره أبي عليّ الجبّائيّ، وكان لفصاحته ولسنه يتولّى الجدل نائبًا عن شيخه. ولكنّ الأشعريّ وجد من نفسه ما يبعده عن المعتزلة في تفكيرهم، مع أنّه تغذّى من موائدهم، ونال من ثمرات تفكيرهم ثمّ وجد ميلًا إلى آراء الفقهاء والمحدّثين» (2) .
(1) - تاريخ المذاهب الإسلاميّة - ص 160
(2) - المرجع السابق - ص 160