« ولقد نستطيع حقًّا في أحيان كثيرة أن نتبيّن نسبة حضارة ما فنردّها إلى أصولها إذا تناولنا بالتحليل ما تركت من أساطير وعادات وخرافات، وخلّفت من تراث فكريّ شاركت فيه غيرها من الحضارات الّتي عاصرتها أو سبقتها .
« ولكنّنا لا نستطيع أن نحدّد أو نعيّن فترة الانتقال بين حضارة سلفت وأخرى تلتها نعنيها بالبحث والتمحيص. ويصدق هذا القول على الحضارات كلّها: ما هو قائم منها وما اندثر وزال» (1) .
وبعد أن يضرب العديد من الأمثلة التاريخيّة يقول:
«وكم في التاريخ البشريّ من حركات تفوق الحصر، انفردت كلّ منها بلون خاصّ تميّزت به واستقلّت فدعوناها لذلك حضارات» (2) .
ولكن مهلًا… إنّ الباحث يجب أن يستوقف نفسه عن الانسياق وراء هذه الأفكار حين يشرع في دراسة الحضارة الإسلاميّة ونشوئها ومصادر استمدادها. هل ينطبق بالضرورة ما سلف من أفكار، على دراسة الحضارة الإسلاميّة ونشوئها؟ أليس لكلّ قاعدة استثناء؟ أليس من الممكن أن يؤدّي انسياقنا وراء هذه القواعد إلى تقويض الأسس الّتي قرّرناها لبحثنا هذا ؟و إن لم تنطبق هذه القاعدة على الحضارة الإسلاميّة، فكيف إذًا نشأت هذه الحضارة؟الإجابة على هذه التساؤلات مهمّة الصفحات التالية.
أوّلًا:
كيف نشأت الحضارة الإسلاميّة؟
آراء ونظريّات
هل الحضارة الإسلاميّة وليدة حضارات أخرى؟! هل تكوّنت من فُتات الحضارات؟! أو هل نُسجت من الخيوط المنسولة من أثواب تلك الحضارات؟!
(1) - المرجع السابق - ص 16
(2) - المرجع السابق - ص 19