فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 301

هل كانت بذرة هذه الحضارة مختبئة منذ مئات السنين في تربة صحراء الجاهليّة، وتفتّقت بين جذور زروعها، ونبتت في أرضها، وترعرعت في رحابها، واستقت بمياهها، واغتذت بسمائها، وأورقت في جوّها، وتنفسّت هواءها، والتفحت بشمسها، وكبرت فالتهمت ما سواها، وأورفت بظلالها على الصحراء، ثمّ مدَّت فروعها إلى خارج الجزيرة فعانقت فروع الحضارات، فأذابتها وشربت عصارتها واغتذت من عديد فروعها، لتثمر بعد ذلك ثمرها وتؤتي أكلها الّذي يتميّز بطعم جديد ونكهة خاصّة حوت سائر النكهات، مزجتها كما يمزج الناس الثمار ويذيبونها ليتلذّذوا بنكهة مزيج الفاكهة ؟!!

هل هذه الصورة الّتي يحاول العديد من المؤرِّخين -ولاسيّما الغربيّين منهم ومن نهج نهجهم _ أن يعتمدوها حين تفسير نشوء الحضارة الإسلاميّة ودخولها ميدان التاريخ هي الصورة الصحيحة التي تنطبق على واقع الحضارة الإسلاميّة وتاريخ نشوئها؟! (1)

ها هو"محمّد أسد"الّذي صوّر لنا عمليّة نشوء الحضارات وتمازجها وتأثيرها المتبادل أدقّ تصوير، يستدرك على كلّ ذلك فيقول:

«واضح إذن أنّنا مهما أوغلنا في التنقيب والبحث في ما سلف من حضارات البشر، فلن نجد توقيتًا معينًا نستطيع أن نحدّده بدءًا لحضارة ما، أو تاريخًا لمولدها، ولا أن نعيّن حدًّا فاصلًا يميّز بين حضارة ولّت وأخرى أشرق عليها النور وتبدّت للوجود.

« ولكنّ هناك استثناء واحدًا لكلّ ما أسلفنا من قول، استثناء تكاد لغرابته تذهل العقول وتنعقد الألسنة، فلم يذكر تاريخ البشر فيما عرفه الناس من حضارات سوى حضارة واحدة برزت للوجود من عالم الغيب دفعة واحدة، واستوت للناظرين قائمة على أصولها في فترة محدودة من تاريخ البشر، تلك ولا شكّ حضارة فذّة من نوع فريد وإنّها لحضارة الإسلام .

(1) - انظر على سبيل المثال: لوثروب ستودارد - حاضر العالم الإسلامي - م1 - ص453، وأحمد أمين - فجر الإسلام - ص139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت