الباب الثاني:
مؤثِّرات في المجتمع الإسلاميّ
ظواهرونماذج
توطئة:
لقد قرّرنا في الصفحات الماضية أنّ كثيرًا من النماذج الّتي قُدّمت دليلًا على تأثّر المجتمع الإسلاميّ بسائر الحضارات، إنّما هي دعاوٍ واهية تفتقر إلى أدنى مراتب الأدلّة والبراهين التاريخيّة، فضلًا عن توفّر الأدلّة والشواهد التاريخيّة الّتي تنقض تلك الدعاوي وتسقطها.
إلاّ أنّ مسائل أخرى أثيرت في هذا المجال، تتّصف بقدر من الواقعيّة. فلقد ظهرت في المجتمع الإسلاميّ فعلًا بعض ظواهر المؤثِّرات الحضاريّة والفكريّة الخارجيّة. وهناك تفاوت بين تلك الظواهر، من حيث مدى تأثيرها في ذلك المجتمع ومبلغ مفارقتها للحضارة الإسلاميّة.
أبرز تلك الظواهر الّتي أثارت جدلًا واستدعت الدراسات والأبحاث، ظاهرة علم الكلام، وأُلحقت بها في كثيرٍ من الأحيان ظاهرة الفلاسفة الإسلاميّين، ثمّ ظاهرة التصوّف. فبينما نجد باحثين ومؤرّخين يؤكّدون النشأة الإسلاميّة الصافية لتلك الظواهر، نجد آخرين يجزمون بأنّها نماذج حيّة للمؤثِّرات الحضاريّة الّتي تغلغلت في المجتمع الإسلاميّ. ومن الطبيعيّ أن نجد سائر الآراء تأخذ - على نحو متفاوت - موقعًا ما بين هذين الموقفين.
فما هو الرأي الّذي من شأن مقدّمات هذا البحث ومنهجه في دراسة تاريخ الحضارة الإسلاميّة أن تقدّمه في هذا المجال؟
هذا ما سيجيب عليه ما تبقّى من البحث.
الفصل الأول:
علم الكلام
أوّلًا:
نشأة علم الكلام ؟
يقول الإمام"أبو حامد الغزاليّ"في علم الكلام: «إنّما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنّة وحراستها عن تشويش أهل البدعة» (1) .
ويقول"عبد الرحمن بن خلدون": «هو علم يتضمّن الحجاج عن العقائد الإيمانيّة بالأدلّة العقليّة والردّ على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف الصالح وأهل السنّة» (2) .
(1) - أبو حامد الغزاليّ - المنقذ من الضلال - مكتبة الجندي، القاهرة - دون تاريخ- ص 14
(2) - مقدّمة ابن خلدون - ص 507