ثالثًا:
بين منهج المحدّثين والفقهاء
ومنهج علماء الكلام
من الكلام الشائع الّذي كثيرًا ما نقرؤه في كتب تاريخ الثقافة الإسلاميّة، أنّ علماء الكلام أحدثوا في الثقافة الإسلاميّة ما لم يكن له وجود في عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم - وصحابته من بعده. ألا وهو البحث العقليّ. فبينما اعتمد أهل الكلام منهج التفكير العقليّ -أو العقلانيّ كما يحلو للبعض أن يسمّيه- اعتمد سائر العلماء من فقهاء ومحدّثين ومفسّرين وغيرهم نصوص الوحي -من قرآن وسنّة- دون اعتبار للعقل والأبحاث الفكريّة والعقليّة. والحقيقة أنّ هذا الكلام المتكرّر يفتقر إلى كثير من الدقّة والعمق.
فلقد سبق وأشرنا إلى أنّ القرآن منذ بداية نزوله اعتمد الخطاب العقليّ والمحاججة الفكريّة ودعا إلى تحكيم العقل من أجل الوصول إلى الحقائق الكونيّة الكبرى الدالّة على الخالق سبحانه وتعالى، كما دعا إلى تحكيم العقل في معجزة الإسلام الخالدة القرآن. إذ إنّ الإيمان به وحيًا منزلًا من السماء هو المدخل إلى اعتناق الدين الإسلاميّ. وبالتالي نرى الإسلام قام على أساس العقل، ويدعو الإنسان إلى اعتناقه بعد تحكيم العقل وإعمال الفكر. وبالتالي فإنّ منهج أهل الكلام ليس أوّل منهج عقليّ في الإسلام، بل إنّ الدعوة الإسلاميّة بدأت منذ أوّل نشأتها تخاطب الناس خطابًا عقليًّا. ومن يقرأ سور القرآن المكّيّة يلحظ كثرة آيات الجدال والحوار الّتي تخاطب العقل وتعتمد على بدهيّاته الأصيلة والثابتة.