فهرس الكتاب
إلاّ أنّ مخاطبة الإسلام للعقل وإثارة الفكر لدى الإنسان،لا يعني أنّه جعل العقل حَكَمًا في كلّ فكر وحكم ورأي. فإنّه في الوقت الّذي جادل فيه القرآن الناس جميعًا في قضايا العقيدة والحقائق الكونيّة الكبرى المؤدّية إلى الإيمان، من مثل قوله تعالى: { إِنَّ في خَلْقِ السَمَواتِ والأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لأُولي الأَلْبَاب } (1) ، فإنّه حين يخاطب الإنسان في مجال التشريع يطلب منه التفويض والتسليم لما جاءه من عند الله عزّ وجلّ من أحكام وأوامر ونواه. قال تعالى: { وَمَا كَان لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم } (2) ، وقال سبحانه: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حتّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (3) ، وهكذا فإنّه في الوقت الّذي يجعل الإسلام العقل حكمًا في مجال العقيدة، فإنّه في مجال التشريع، يدعوه إلى أن يكون أداة لفهم نصوص الوحي لا حَكَمًا على ما فيها من أحكام.
(1) - سورة آل عمران - الآية 190
(2) - سورة الاحزاب - الآية 36
(3) - سورة النساء - الآية 65