سادسًا:
علم الكلام والمجتمع الإسلاميّ
أخيرًا، وبعد كلّ ما سبق من حديث على علم الكلام، تبقى مسألة في غاية الأهمّيّة. وهي أنّه إذا كانت الغاية من هذا البحث الوقوف على مدى تأثير العناصر الحضاريّة الأجنبيّة في المجتمع الإسلاميّ وتغلغلها فيه، وإذا كانت الآراء قد تفاوتت في الحكم على مدى تغلغل هذه العناصر في علم الكلام، فإنّه لا بدّ من طرح السؤال التالي: ما مدى تأثير علم الكلام في المجتمع الإسلاميّ؟ وبتعبير آخر: ما هو حجم الدور الّذي لعبه علم الكلام في تشكيل نمط العلاقات، وبالتالي طراز العيش في ذلك المجتمع؟
لقد سبق وأشرنا في أكثر من موضع إلى أنّ التأثير الحقيقيّ على المجتمع الإسلاميّ، من حيث صياغة مفاهيمه ومشاعره وأنظمته كان للفقهاء، وبناء عليه، إذا أردنا أن نعرف موقف الرأي العامّ الإسلاميّ من علم الكلام، فإنّ علينا أن ننظر إلى مواقف الفقهاء من هذا العلم وأهله.
لقد رأينا في الفتنة الّتي جرت على عهد"المأمون"وخليفتيه من بعده، أنّ المعتزلة، روّاد الكلام الأوائل، وضعوا أنفسهم في مواجهة المجتمع بأسره حين حاولوا فرض آرائهم على الفقهاء والمحدّثين. واستكمالًا لفائدة هذا الموضوع، نورد بعض الأمثلة من مواقف الفقهاء على مرّ عدّة قرون حتّى القرن الخامس الهجريّ.
سئل"الحسن بن زياد اللؤلؤي"عن شيخه"زفر بن الهذيل" (1) أحد أشهر تلاميذ الإمام"أبي حنيفة النعمان": «أكان ينظر في الكلام ؟» فقال: «سبحان الله ما أحمقك، ما أدركت مشيختنا زفر
(1) - زفر بن الهُذيل (110-158هـ)
زفر بن الهذيل بن قيس العنبريّ،من تميم،أبو الهذيل: فقيه كبير، من أصحاب الإمام أبي حنيفة.أهله من أصبهان. أقام بالبصرة وولي قضاءها وتوفي بها. وهو أحد العشرة الّذين دوّنوا"الكتب"،جمع بين العلم والعبادة.… (الزركليّ)