فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 301

الفصل الثاني

الفلسفة والتصوّف

أوّلًا:

الفلاسفة والمجتمع الإسلاميّ

لقد أوضحنا فيما مضى من الحديث على علم الكلام، أنّ هذا العلم كان من أهمّ دوافعه الوقوف في وجه الهجمة الّتي شنّها أهل الأديان والملل على الفكر الإسلاميّ متسلّحين بالفلسفة اليونانيّة، الأمر الّذي دعا علماء المسلمين-وفي مقدّمتهم أهل الكلام- إلى الاطّلاع على الكتب الفلسفيّة بعد ترجمتها لدراسة مسائل فيها، بغاية الردّ عليها، وإسقاط حجج المتسلّحين بها. فكان أن استفاد علماء الكلام من المقدّمات المنطقيّة، لوضع قواعد للبحث خاصّة بالفكر الإسلاميّ. «إلاّ أنّ دراسة هؤلاء لم تكن دراسة فلسفيّة كاملة، وإنّما دراسة أفكار فلسفيّة بتوسّع، حتّى أحاطوا بالآراء المختلفة في الفلسفة، وبرأي كلّ فريق من الفلاسفة إحاطة في بعض المسائل بتتبّعها، لا في جميع المسائل. وكانوا فوق اقتصارهم على بعض الأبحاث الفلسفيّة يقيّدون أنفسهم بإيمانهم بالقرآن. ولهذا لم يخرجوا عن أهل الإسلام» (1) .

ولكنّ تداول الكتب الفلسفيّة بين أيدي المثقّفين أدّى فيما بعد إلى ظهور من عُرفوا بفلاسفة الإسلام. ذلك «أنّ الاطّلاع على الأفكار الفلسفيّة وعلى كتب الفلسفة قد حبّب هذه الأبحاث للناس في ذلك العصر، فحمل ذلك بعض الأشخاص على التوسّع في هذه الأفكار، فدرسها دراسة عميقة واسعة ودراسة كلّيّة مطلقة في كلّ شيء، وفي كلّ اتّجاه، واتّجه إليها بكلّيّته، وهضم قدرًا صالحًا من الفلسفة يؤهّله لأن يفكّر تفكيرًا فلسفيًّا وينتج إنتاجًا فلسفيًّا، فكان من جرّاء هذه الدراسات الواسعة العميقة للفلسفة، ولا سيّما الفلسفة اليونانيّة بنوع خاصّ، أن وجد بين المسلمين فلاسفة» (2) .

(1) - الشخصيّة الإسلاميّة - ج1 - ص 121

(2) - المرجع السابق - ج1 - ص 122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت