فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 301

وطريقته في العيش.

من الضروريّ جدًّا أن نتنبّه إلى المساوئ الّتي جرّها علم الكلام على"الوسط الثقافيّ"في المجتمع الإسلاميّ، ولا سيّما بعد القرن الخامس الهجريّ. إذ أدّى إلى منهج جديد في بحث العقيدة الإسلاميّة يفترق إلى حدّ كبير عن منهج القرآن -وهذا من إشارات التنكّب عن الأصالة الإسلاميّة-وأثار مسائل نظريّة لا طائل من بحثها والخوض فيها سوى مضيعة الجهود والطاقات والأوقات، وأثار خصومات في أوساط المثقّفين، كان المجتمع الإسلاميّ أحوج ما يكون إلى تفاديها. وكان على علماء الكلام أن يُديموا تسخير طاقاتهم العقليّة في مواجهة خصوم الإسلام الخارجيّين، لا أن يلتفتوا إلى الداخل ليشتّتوا جماعة المثقّفين معسكرات كلاميّة تتخاصم على قضايا كلاميّة بحتة، لا ينبني عليها أيّ عمل.

ولا ننسَ أيضًا، ما كان للآراء الّتي نتجت عن الاختلاف في مسألة"القضاء والقدر"من تأثير سلبي على سلوك كثير من المسلمين، ولا سيّما ذلك الرأي الّذي أسقط إرادة الإنسان ومشيئته في اتخّاذ القرار حول نوع سلوكه، وأوهمه أنّه كالريشة في مهبّ الريح، وأنهّ لا قيمة لإرادته، وليس هو من يختار أفعاله. الأمر الّذي أنتج جماعات من الّذين هجروا المجتمع وتركوا الأخذ بالأسباب، وأهملوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وركنوا إلى الظلم والانحرافات السياسيّة، باعتبارها قدرًا محتومًا لا يمكن للإنسان أن يؤثّر فيه. وكان ضغثًا على إبالة -كما سنرى لاحقًا- أن تنضمّ إلى تلك النزعة الجبريّة نزعة التصوّف الّتي تجنح"بالأتقياء"نحو العزلة وهجر المجتمع والوسط السياسيّ، ليتخبّط في الأخطاء وشهوة الحكم.

ولكن، يبقى أنّ علم الكلام كان في حقيقته معبّرًا عن الثقافة الإسلاميّة وحدها، لا عن غيرها، وأنّه نشأ في كنف الحضارة الإسلاميّة، ليكون شاهدًا على ازدهار عظيم في الفكر والتأليف والحركة الثقافيّة الّتي لم يسبق للتاريخ أن عرف نظيرًا لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت