فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 301

ولكن، لنعد قليلًا إلى طبيعة علم الكلام وما يتضمّنه من مواضيع، لنرى ما يحمله هذا العلم من بضاعة يمكن تسويقها في المجتمع. فإذا استثنينا الأبحاث الأساسيّة الّتي تتناول مسألة"حدوث العالم"وإثبات نبوّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - الّتي وضعها المتكلّمون في مواجهة خصومهم من أهل الأديان والملل والنحل غير الإسلاميّة، سنجد أنّ علم الكلام لا يتناول سوى قضايا نظريّة يتعلّق أغلبها بصفات الله تعالى وأحوال أهل الجنّة والنار وغيرها من القضايا الغيبيّة. ولطالما اتُّهم علماء الكلام بأنهّم يتكلّمون فيما ليس تحته عمل. وقد سبق أن أوردنا حديث الإمام"مالك بن أنس"في ذمّ الكلام فيما ليس تحته عمل. وهو الحديث الّذي يعلّق عليه الإمام"ابن عبد البرّ"قائلًا: «قد بيّن مالك رحمه الله أنّ الكلام فيما تحته عمل هو المباح عنده وعند أهل بلده،يعني العلماء منهم رضي الله عنهم. وأخبر أنّ الكلام في الدين نحو القول في صفات الله وأسمائه، وضرب مثلًا فقال: نحو قول جهم والقدر. والّذي قال مالك رحمه الله، عليه جماعة الفقهاء والعلماء قديمًا وحديثًا من أهل الحديث والفتوى، وإنمّا خالف ذلك أهل البدع المعتزلة وسائر الفرق، وأمّا الجماعة فعلى ما قال مالك رحمه الله» (1) . ومن أقوال الخليفة الراشد"عمر بن عبد العزيز"منبّهًا إلى أبحاث الكلام النظريّة الّتي لا تستتبع عملًا: «إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم دون العامّة فاعلم أنهّم على تأسيس ضلالة» (2) ، وفي هذا التعبير الموجز من أمير المؤمنين"عمر بن عبد العزيز"تنبيه إلى حال أهل الكلام من كونهم في معزل عن المجتمع والرأي العامّ. ما يعني أنّ علم الكلام لم يكن يحمل من الأفكار والمشاعر والأنظمة ما يمكّنه من المساهمة في صياغة علاقات المجتمع، وبالتالي لم يكن له سهم يذكر في إعطاء المجتمع الإسلاميّ هويّته الحضاريّة

(1) - جامع بيان العلم وفضله - ج2 - ص 116

(2) - المصدر السابق - ج2 - ص114

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت