فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 301

وما تعلُّقُ الملايين من المسلمين، في أيّامنا هذه، بالتوسّل بقبور الأولياء، وبالتسليم الأعمى لشيوخ التصوّف، وما إيمانهم بالخوارق بدعوى كرامات الأولياء، وما بُعدهم عن معترك الحياة العمليّ والعمل البنّاء في كثير من الأحيان… إلاّ ثمرة أفكار التصوّف، الّتي تغلغلت منذ مئات السنين في أذهان المسلمين وثقافتهم ومجتمعهم وسلوكيّاتهم.

الحضارة في اللغة وكما ورد في"لسان العرب": «الإقامة في الحَضَر ( ... ) والحَضَر والحضرة والحاضرة، خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف» . إذن، فحين تذكر الحضارة في اللغة فإنّه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكنى المدن والقرى. إلاّ أنّ هذا المعنى اللغويّ للعبارة ليس هو المقصود حين الكلام عن الحضارة في النصوص الفكريّة والتاريخيّة والسياسيّة المعاصرة إذ أصبح لكلمة الحضارة مدلول اصطلاحيّ جديد مختلف عن المدلول اللغويّ الأصليّ.

ونشأة هذا الاصطلاح تعود في الواقع إلى الدراسات الأوربيّة، وذلك حين درج الغربيّون على استخدام كلمة "Civilization" -وترجمتها إلى العربيّة: الحضارة أو المدنيّة- للتعبير بها عن التطوّر المادّيّ والصناعيّ والعمرانيّ الّذي أخذ يطّرد بسرعة خلال العصور الحديثة الّتي تلت القرن الخامس عشر الميلاديّ والّتي سميّت بعصور النهضة. إلاّ أنّ تلك العبارة تحوّلت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلولًا آخر جديدًا. فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع أو أمّة من الأمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميّز بها عن غيره من المجتمعات. فأصبح المؤرّخون والمفكّرون والكتّاب يتكلّمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة، كالحضارة المصريّة القديمة والحضارة اليونانيّة والحضارة السومريّة والرومانيّة والفارسيّة والصينيّة والهنديّة وحضارة أوربّا العصور الوسطى والحضارة الإسلاميّة والحضارة الغربيّة المعاصرة وما شاكل ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت