فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 301

لصاحب الحسّ إدراك شيء منها، والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أنّ الروح إذا رجع عن الحسّ الظاهر إلى الباطن ضعفت أحوال الحسّ وقويت أحوال الروح وغلب سلطانه وتجدّد نشوؤه، وأعان على ذلك الذكر، فإنّه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نموّ وتزيّد إلى أن يصير شهودًا بعد أن كان علمًا، ويكشف حجاب الحسّ ويتمّ وجود النفس الّذي لها من ذاتها، وهو عين الإدراك، فيتعرّض حينئذ للمواهب الربّانيّة والعلوم اللدنيّة والفتح الإلهيّ، وتقرب ذاته في تحقيق حقيقتها من الأفق الأعلى، أفق الملائكة. وهذا الكشف كثيرًا ما يعرض لأهل المجاهدة، فيدركون من حقائق الوجود ما لا يُدرِك سواهم. وكذلك يدركون كثيرًا من الواقعات قبل وقوعها، ويتصرّفون بهممهم وقوى نفوسهم في الموجودات السفليّة، وتصير طوع إرادتهم». ثمّ يقول بعد ذلك: «ثمّ إنّ قومًا من المتأخّرين انصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والمدارك الّتي وراءه، واختلفت طرق الرياضة عندهم في ذلك باختلاف تعليمهم في إماتة القوى الحسّيّة وتغذية الروح العاقل بالذكر، حتّى يحصل للنفس إدراكها الّذي لها من ذاتها بتمام نشوتها وتغذيتها، فإذا حصل ذلك زعموا أنّ الوجود قد انحصر في مداركها حينئذ وأنّهم كشفوا ذوات الوجود، وتصوّروا حقائقها كلّها من العرش إلى الطشّ. هكذا قال الغزاليّ رحمه الله في كتابه الإحياء» (1) .

وهكذا أصبح التصوّف ملابسًا لثقافة المسلمين وفهمهم للإسلام قرونًا عديدة وحتّى يومنا هذا. صحيح أنّه بقي من يناهض التصوّف في القرون اللاحقة، وعلى رأسهم علماء التيّار"السلفي"، كابن تيميّة وابن الجوزيّ وابن قيّم الجوزيّة وغيرهم، إلاّ أنّ التصوّف وما يحويه من أفكار الكشف والإلهام والفناء وكرامات الأولياء تفشّى في المجتمع الإسلاميّ، تفشّى بفلسفته وتنظيره بين كثير من دارسي الشريعة، وبشطحاته وخيالاته وأوهامه بين البسطاء والعوامّ.

(1) - المقدمة - ص 519 - 520

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت