فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 301

وكما أنّ"الغزاليّ"، ذلك النجم الساطع في عصره وما تلاه من العصور، كان الباب المشرَّع الّذي نفذ منه"الكلام الأشعريّ"من دوائره الضيّقة إلى رحاب المجتمع فاستقرّ فيه، كذلك أيضًا كان شأنه مع التصوّف. فلقد احتضن أهل السنّة والجماعة كلاًّ من علم الكلام والتصوّف معًا، وأصبحا بعد الإمام"الغزاليّ"قرينين، قلّما ينفصل الواحد منهما عن الآخر.

يقول"عليّ سامي النشّار"في كلامه على ما يسمّيه"بالتصوّف السنّي": «بدأ التصوّف باستنباط حياة زهديّة من القرآن والسنّة، سنّة الرسول- صلى الله عليه وسلم - وسنّة الصحابة، ثمّ كان تصوّفًا، ثمّ أصبح التصوّف علمًا يقابله قواعد عمليّة. وقد احتضن الأشاعرة مذهبُ الخلف، منذ أبي حامد الغزاليّ، التصوّفَ. وأصبح جزءًا من حياة الخلف» (1) .

لقد أدرك معظم مؤرِّخي الثقافة الإسلاميّة مقدار الأثر الّذي أحدثه الإمام"الغزاليّ"في حياة المجتمع الإسلاميّ وتاريخه. وعبّر"ديورانت"عن ذلك بقوله: «كان اعتناق الغزاليّ لمذهب التصوّف نصرًا باهرًا للصوفيّة، فأخذ أهل السنّة من بعده بالتصوّف حتّى طغت عقائد المتصوّفة وقتًا ما على قواعد الدين. نعم إنّ علماء الدين والشريعة الإسلاميّة كانوا لا يزالون من الوجهة الرسميّة أصحاب الكلمة العليا في عالم الدين والشريعة، ولكنّ ميدان التفكير الدينيّ استسلم لمشايخ الطرق وأولياء الله الصالحين» . (2)

وها هو"ابن خلدون"يقرّر دون أدنى جدال، وبعد مضيّ ثلاثة قرون، ما أنشأه الإمام"الغزاليّ"وكّرسه من أفكار رياضة النفس ومجاهدة الجسد والكشف والإلهام، فيقول: «ثمّ إنّ هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالبًا كشف حجاب الحسّ والاطّلاع على عوالم من أمر الله ليس

(1) - نشأة الفكر الفلسفي - ج3 - ص 19

(2) - قصة الحضارة - ج13- ص 365

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت