نسارع إلى الإجابة فنقول: إنّ الخلاف لم ينشب بين الفريقين على أصل عَمَلِ كلّ منهما ووظيفته. وإنّما كانت آراء المعتزلة الّتي خالفوا بها نصوص الوحي الصريحة في كثير من الأحيان، وتحكيم العقل في كثير من تلك النصوص، هي الّتي أثارت حفيظة الفقهاء ودفعتهم إلى رفض علم الكلام، باعتباره عَلَمًا على المعتزلة. ولذلك حين دالت دولة علم الكلام إلى"الأشعريّ"بدأ يتغيّر موقفهم. فتحوّلت مواقف كثير من الفقهاء عن السخط والتبرُّم من علم الكلام وأهله إلى موقف الرضى والقبول والتأييد. ممّا يعني أنّ الموقف المتحفّظ لدى فريق كبير من هؤلاء الفقهاء لم يكن إزاء علم الكلام -من حيث هو علم يحاجج عن العقيدة الإسلاميّة بالبراهين العقليّة- بحدّ ذاته،وإنّما كان في حقيقة الأمر إزاء المتكلّمين الأوائل، ألا وهم المعتزلة.
وإذا كنّا قد أسلفنا الكلام عن الفقهاء ومدى انضباطهم بمصادر الإسلام الأصيلة وبُعدهم عن التأثّر بسائر التيارات الفكريّة من فلسفيّة ودينيّة وتشريعيّة، فلنطرح السؤال التالي:
ما مدى انضباط علم الكلام وأهله بالفكر الإسلاميّ؟ وبالمقابل ما مدى تأثّرهم بما سواه من الّتيارات الفكريّة والثقافيّة؟
رابعًا
علم الكلام: بين الأصالة الإسلاميّة
والمؤثِّرات الثقافيّة
لا شكّ أنّ أهل الكلام أخذوا على عاتقهم القيام بإحدى أهمّ المهمّات الّتي كانت الدعوة الإسلاميّة بحاجة إليها. كما أنّهم قاموا بعمل جبّار في تحصين المجتمع الإسلاميّ من الدعوات الهدّامة الّتي تعّرض لها من الشعوبيّين والزنادقة وأهل الأهواء والملل والنحل. ولعلّ عهد الخليفة العبّاسيّ"المأمون"كان أروع مثال على الجهد الّذي بذله علماء الكلام -وهم المعتزلة آنذاك- من أجل الدفاع عن كيان الحضارة الإسلاميّة.