فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 301

وخلاصة الكلام أنّ ظاهرة الزندقة لم تكن ذات بُعد ديني وحسب, وإنّما كانت لها أبعاد سياسيّة خطيرة. ويلخّص الإمام محمّد أبو زهرة ظاهرة الزندقة هذه بأنّها حركة «سرت في الشرق من الديار الإسلاميّة سرًّا بين الجماعات الفارسيّة الّتي أرادت الملك الفارسيّ، وبين عبّاد الأصنام في الشرق الّذين أرادوا إحياء مبادئهم الدينيّة في داخل الدولة الإسلاميّة، وتضافرت الجهود من بقايا هذه الدول الّتي قوّض الإسلام أركانها لإطفاء نوره،وقد عجزوا عن إعادة ملكهم القديم عن طريق القوّة،فلم يبق إلاّ أن يعملوا على إضعاف قوّته في قلوب أهله، وإحياء الديانات القديمة ونشرها بينهم.فالفرس عملوا على نشر مبادئ"ماني"الجامعة بين مبادئ مسيحيّة ومبادئ مجوسيّة وربّما بعض آراء هنديّة، ونشر آراء"زرادشت"الّتي نظمت المجوسيّة، ودعت إلى القوّة ومبادئ"ديصان"و"مرقيون"وغيرهما، واتّجهوا إلى إحياء مبادئ"مزدك"الّتي كانت ترمي إلى شيوعيّة الأموال والنساء ولا يكون أحد مختصًّا بشيء قطّ، أرادوا بذلك تخريب الدولة الإسلاميّة كما خرّب المذهب ديار فارس عندما انتشر فيها. وقد ظهر"بابك الخرميّ"يدعو إلى هذا المذهب وينشره، وقد ظهر في عصر المأمون،فقاومه بالسيف،وقاوم تفكيره بالمجادلة تولاّها هو ومعه أصحابه من المعتزلة أمثال"محمّد بن عبد الملك الزيّات"و"أحمد بن أبي دؤاد"وغيرهم من كبار المعتزلة الّذين كان لهم سلطان في الدولة،أو لم يكن لهم سلطان أمثال"بشر بن المعتمر"و"جعفر بن بشر"و"الجاحظ"وغيرهم» (1) .

(1) - المرجع السابق - ص 143-144

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت