وظاهر من كلام المهديّ والعديد من النصوص التاريخيّة أنّ هؤلاء الزنادقة إنّما كانوا يُظهرون الإسلام نفاقًا بينما هم في سرائرهم يعتنقون ديانة ماني أو غيره من الفرق الثنويّة. وهذا ما يفسّر تنكيل الخلفاء بهم. إذ لو كانوا يعلنون البقاء على دين آبائهم، أي المجوسيّة، لما فتنهم الخلفاء عن دينهم، إذ المعروف أنّ المسلمين لم يُكرهوا المجوس على اعتناق الإسلام، كدأبهم مع اليهود والنصارى.
وها هو"ابن النديم"يحدّثنا عن جملة من أسماء الزنادقة في دولة بني العبّاس ورؤسائهم المتكلّمين «الّذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة» . (1) وممّا يقوله مثلًا: «وكان محمّد بن عبيد الله كاتب المهديّ زنديقًا، واعترف بذلك فقتله المهديّ» ، (2) ولكنّه يحدّثنا أيضًا أنّ المأمون أحضر أحد رؤسائهم، وهو"يزدان بخت"، بعد أن أمّنه «فقطعه المتكلّمون (أي أسقطوا حجّته) , فقال له المأمون: أسلم يا يزدان بخت, فلولا ما أعطيناك إيّاه من الأمان, لكان لنا ولك شأن. فقال يزدان بخت, نصيحتك يا أمير المؤمنين مسموعة, وقولك مقبول, ولكنّك ممّن لا يُجْبِر الناس على ترك مذاهبهم, فقال المأمون أجل» . (3)
(1) - ابن النديم - الفهرست - ص522
(2) - المصدر السابق - ص522
(3) - المصدر السابق - ص522