فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 301

إلاّ أنّه يبدو للمتتبّع أن إطلاق الزندقة على الإلحاد وإنكار اليوم الآخر إنّما أتى في وقت متأخّر. ففي العصر العبّاسيّ الأوّل تتردّد كلمة الزندقة لتشير في الغالب إلى أهل المذاهب الثنويّة الّتي كانت تنتشر بين الفرس قبل الإسلام. وصحيح أنّ العبارة أطلقت بعض الأحيان على المجّان الّذين عاقروا الخمور وعقدوا مجالس الفجور ودفعهم السكر إلى التفوّه بالرفث والفسوق والخلاعة، (1) إلاّ أنّه حين يتكلّم المؤرّخون عن ملاحقة الخلفاء للزنادقة والتنكيل بهم مستعينين بأهل الكلام، فإنهم يعنون بهم المذاهب الّتي كانت تنتشر في البلاد الفارسيّة قبل الإسلام، والّتي حاولت أن تطلّ برأسها بين الفينة والأخرى في المجتمع الإسلاميّ.

وأفضل تعبير يدلّنا على ماهيّة الزنادقة الّذين لاحقهم الخلفاء العباسيّون هو تعبير واحد منهم، وهو الخليفة"المهديّ"في وصيّته لابنه موسى، أي الخليفة من بعده"الهادي". فيحدّثنا الطبريّ: «أنّ المهديّ قال لموسى يومًا- وقد قُدِّم إليه زنديق فاستتابه فأبى أن يتوب، فضرب عنقه وأمر بصلبه -يا بنيَّ، إن صار لك هذا الأمر فتجرّد لهذه العصابة -يعني أصحاب ماني- فإنّها فرقة تدعو الناس إلى ظاهر حسن، كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثمّ تخرجها الى تحريم اللحم ومسّ الماء الطهور وترك قتل الهوامّ تحرّجًا وتحوّبًا، ثمّ تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة، ثمّ تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب، وجرّد فيها السيف، وتقرّب بأمرها إلى الله لا شريك له» . (2)

(1) - انظر: ضحى الإسلام - ج1 - ص 146 وما بعدها.

(2) - ابن جرير الطبري - تاريخ الأمم والملوك - دار الكتب العلميّة، بيروت - 2001م - مجلد4 - ص612

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت