«ولمّا جاءت الدولة العبّاسيّة وقد طمّ سيل الإلحاد والزندقة كما أشرنا وجد خلفاؤها في المعتزلة سيفًا مسلولًا على الزنادقة، لم يفلّوه بل شجّعوهم على الاستمرار في نهجهم، فلمّا جاء المأمون -وقد كان يعتبر نفسه من علماء المعتزلة- شايعهم وقرّبهم وأدناهم، وجعل منهم حجّابه ووزراءه...» (1) .
فمن هم الزنادقة؟
لم يكن لعبارة"زنديق"معنى واحد متّفق عليه بين من يستخدمها ويرمون بها أناسًا يقصدونهم بصفات معيّنه. فقد استخدمت للدلالة على معانٍ عدّة مختلفة. إلاّ أنّ ما يجمع هذه المعاني العديدة هو أنّها ترمز في كلّ الحالات إلى أشخاص خالفوا الدين الإسلاميّ كلّيًا أو جزئيًا.
قال صاحب"الصحاح": «الزنديق من الثنويّة، وهو فارسيّ معرّب، وجمعه زنادقة، وقد تزندق، والاسم الزندقة» . (2) وقال ابن منظور «الزنديق: القائل ببقاء الدهر، فارسيّ معرّب، وهو بالفارسيّة: زَنْدِكِر، أي يقول بدوام بقاء الدهر» . ونَقلَ عن التهذيب: « الزنديق معروف وزندقته أنّه لا يؤمن بالآخرة ووحدانيّة الخالق» (3) . وقال"أبو حامد الغزاليّ": «وأمّا الزندقة المطلقة، فهو أن تنكر الصانع للعالم أصلًا ورأسًا» (4) .
وهكذا نرى أنّ معنى الزندقة يتراوح بين الإلحاد وإنكار اليوم الآخر وبين أن يكون مذهبًا من مذاهب الثنويّة، وهم القائلون بوجود إلهين اثنين، إله الخير وإله الشرّ. وهذا واضح من كلام صاحب"الصحاح": «الزنديق من الثنويّة» .
(1) - المرجع السابق - ص 131-132
(2) - محمد بن أبي بكر الرازي- مختار الصحاح - مادّة زندق.
(3) - ابن منظور - لسان العرب - مادّة زندق.
(4) 4 - أبو حامد الغزاليّ - القسطاس المستقيم ( ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزاليّ ) - دار الكتب العلميّة، بيروت - د.ت - ص88