.بل إنّ المعتزلة في كتبهم «يرون أنّ مذهبهم أقدم في نشأته من واصل،فيعدّون من رجال مذهبهم كثيرين من آل البيت» (1) .
إلاّ أنّ المؤكّد أنّ المعتزلة لم يذع صيتهم ويعلُ شأنهم إلاّ بسبب النشاط الّذي أظهروه في مقارعة أهل الأديان والفلسفات والمذاهب المعادية للإسلام وحضارته. سواء تمثّلوا في اليهود والنصارى -بما فيهم صناديد الفلسفة اليونانيّة- أم الثنويين أم المزدكيين أم غيرهم من زنادقة المجتمع الإسلاميّ. وكان العصر العبّاسيّ الأوّل هو العصر الذهبي بالنسبة للمعتزلة، بسبب التأييد الّذي تمتّعوا به من بعض الخلفاء العباسيين، وفي طليعتهم المأمون، وبسبب الحملة الّتي شنّها هذا الأخير -مستعينًا بأشهر مفكّري المعتزلة- على الزنادقة وأهل الأهواء والبدع.
يقول الإمام"أبو زهرة": «دخل الإسلام طوائف من المجوس واليهود والنصارى وغير هؤلاء وأولئك، ورؤوسهم ممتلئة بكلّ ما في هذه الأديان من تعاليم جرت في نفوسهم مجرى الدم، ومنهم من كان يظهر الإسلام،ويبطن غيره: إمّا خوفًا ورهبة، أو رجاء نفع دنيويّ، وإمّا بقصد الفساد والإفساد، وتضليل المسلمين، وقد أخذ ذلك الفريق ينشر بين المسلمين ما يشكّكهم في عقائدهم، وظهر ثمار غرسهم في فرق هادمة للإسلام تحمل اسمه ظاهرًا وهي معاول هدمه في الحقيقة، فظهرت"المجسّمة"، و"الرافضة"الّتي تقول بحلول الإله في جسم بعض الأئمّة، و"الزنادقة". وقد تصدّى للدفاع عن الإسلام أمام هؤلاء فرقة درست المعقول وفهمت المنقول، فكانت المعتزلة، تجردّوا للدفاع عن الدين (…)
(1) - تاريخ المذاهب الإسلاميّة - ص 124