وعليه فإنّ ما سيجري الكلام عليه، فيما يتعلّق بهذه العلوم، في الفصول اللاحقة من البحث، يتناول هذه الجوانب من التفسير بطريق الإلحاق.
رابعًا:
المحدِّثون والأحاديث المكذوبة
وكذلك حاول بعض المؤرِّخين النفاذ من مسألة وضع الأحاديث المكذوبة إلى أنّ تراث الحديث الشريف لدى المسلمين قد امتلأ بالروايات الموضوعة، وأنّ أخذ المسلمين لها والعمل بما ورد فيها يعني التأثّر بالوضّاعين من أي فئة كانوا .
وفي هذا المجال، لا بدّ من تنبيه هؤلاء إلى وجوب التفريق بين الدسّ وبين التأثّر. فالتأثّر هو أخذ المفاهيم والأفكار من سائر الأمم والأديان لاستحسانها أو شبهة توافقها مع الإسلام، بوصفها مفاهيم وأفكارًا من الأمم والأديان الأخرى. أمّا أخذ المسلمين لبعض الأحاديث المدسوسة والعمل بها، على فرض حصوله، فليس من التأثّر في شيء. فإنّهم أخذوها بوصفها أحاديث لرسول الله- صلى الله عليه وسلم -، لا بوصفها من دين آخر أو أمّة أخرى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ هذه الأحاديث الموضوعة لم تستطع أن تخترق جدار الثقافة الإسلاميّة الّتي اعتنقتها الغالبيّة العظمى من المجتمع الإسلاميّ. فهي وإن تسرّبت إلى أذهان بعض المسلمين في بعض أزمنة الفتنة، إلاّ أنّ مناعة الفكر الإسلاميّ، المتمثّلة في علماء الإسلام، استطاعت أن تقضي على هذه الدسائس الّتي حاولت الفتك بكيان الثقافة الإسلاميّة. وحصل ذلك عندما قام رجال الحديث بتدوين ما روي لهم من الأحاديث مع أسانيدها، ثمّ التحقيق في هذه الروايات من نقد أسانيدها ورواتها ومتونها. وهذا ما عرف بعلم مصطلح الحديث، وما تبعه من علم الرجال الّذي عني بتراجم الرواة، حتّى يتميّز الثقة الّذي تقبل روايته ممّن سواه.