وأمّا عن المعارف الشرعيّة -وهي الّتي يتوفّر فيها رصيد الأفكار والأنظمة الّتي اتّخذها المسلمون مفاهيم لحياتهم وقواعد لسلوكهم وضوابط لعلاقاتهم، أي منها تنبع الهويّة الحضاريّة للأمّة الإسلاميّة- فهي معارف إسلاميّة بحتة، وإن كان بعضها يتّسم بالسمة العقليّة ويُسلك فيه منهج البحث العقليّ، وأعني بذلك علم التوحيد وأصول الدين. لذلك فإنّ الإسلام يحرّم استمداد شيء من هذه المعارف من غير المصادر الشرعيّة تحريمًا باتًّا. وكان حرص المسلمين شديدًا على حصر تلقّي هذه المعارف من مصادرها الإسلاميّة الأصيلة،وعدم استمداد شيء منها من الثقافات الأخرى. وأفلحوا في ذلك إلى أبعد الحدود، ولم يعرف التاريخ أمّة كانت أكثر استقلالًا في ثقافتها ممّا كانت عليه الأمّة الإسلاميّة في معارفها الشرعيّة.
ثالثًا:
المفسِّرون وروايات أهل الكتاب
لقد استند بعض المؤلِّفين إلى ورود أخبار أهل الكتاب في بعض التفاسير ليدلِّلوا على تأثير اليهوديّة والنصرانيّة في علم التفسير، وبالتالي في الثقافة الإسلاميّة. ومن هؤلاء"أحمد أمين"الّذي يقول عن روايات أهل الكتاب ودخولها في التفاسير: «وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام فتسرّب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرّج حتّى كبار الصحابة مثل ابن عبّاس من أخذ قولهم. روي أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدِّقوهم ولا تكذِّبوهم» ، ولكنّ العمل كان على غير ذلك، وإنّهم كانوا يصدّقونهم وينقلون عنهم» (1) .
(1) - فجر الإسلام - ص 201