إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أمّة من الأمم، هو أن تفقد هويّتها الحضاريّة. فالهويّة الحضاريّة هي أثمن ما يمتلكه أيُّ مجتمع من المجتمعات. وقد تصاب المجتمعات بالعديد من أنواع الكوارث الّتي تقضّ مضجعها وتؤرِّق اطمئنانها وتجلب لها المعاناة، إلاّ أنّ المجتمع المدرِك لهويته وشخصيَّتِه الحضاريّة، من شأنه أن يواجه تلك الكوارث الّتي تستفزُّه وتدعوه إلى المواجهة ما دامت الحضارة الّتي ينتمي إليها تملك من المقوِّمات والحلول ما يكفي لمواجهة أعباء الحياة بشتّى أشكالها.
ولكنَّ تلك الأزمات والكوارث، حين تلمّ بمجتمع غافل عن ذاته وهوّيته وشخصيّته ومقوِّمات وجوده، فإنّ من شأنها أن تفتك به الواحدة تلو الأخرى، حتّى ترديه صريعًا،وربّما تودي به إلى الزوال من خارطة الحضارات البشريّة.
لقد ألمّت بالأمّة الإسلاميّة خلال تاريخها المديدِ، العديدُ من النكبات والأزمات، بل مرّت بمراحل من الانحطاط يندى لها الجبين وتدمع عليها العيون. فقد شهدت في بعض مراحل ذلك التاريخ تفكّكًا سياسيًا بدأ منذ عهد ضعف الخلفاء العبّاسيين. وسقطت بعض ديارها أمام الغزو الصليبي. بل سقط كثير من تلك الديار أمام غزوات المغول والتتار. وعانى المجتمع الإسلاميّ في بعض حقبات التاريخ من بعض الأزمات الاقتصاديّة وغيرها من الأزمات. إلاّ أنّ تلك الأمّة كانت بعد كلّ كبوة، تنتفض لتواجه ما ألمّ بها من سوء ولتعالج ما أرّقها من المشاكل والأزمات، بناء على عقيدتها الراسخة، ومن خلال منظومتها الثقافيّة وشخصيّتها الحضاريّة، ولتستعيد دور الريادة وموقع الغلبة في الساحة الدوليّة. ولعلّ عهد الخلفاء العثمانيّين الأوائل كان أبرز تلك الانطلاقات النهضويّة الّتي مضت بعد مراحل من السبات والركود والانكفاء.