ولقد كانت بعض النكبات الّتي ألمّت بالأمّة -ولاسيّما نكبة المغول والتتار- من ذلك النوع الّذي من شأنه القضاء على كيانات حضاريّة برُمَّتها. ولولا رؤيتها لهويّتها الحضاريّة، لما استطاعت أُمَّتنا متابعة مسيرتها من جديد ماخرة عباب التاريخ لعدّة قرون تاليّة.
إلاّ أَنّ الكارثة العظمى الّتي لم يسبق أن حلّت بهذه الأمّة، أطلّت برأسها منذ بدايّة القرن التاسع عشر. وذلك حين ظهر على الساحة الدوليّة غريم حضاريّ دعا الأمّة الإسلاميّة إلى ساحة النزال، بعد قرون مضت لم تعرف تلك الأمّة خلالَها عدوًّا ينازلها بغير السيف والرمح والآلة العسكريّة. فبعد المنازلات الحضاريّة الّتي خاضتها الأمّة الإسلاميّة منذ صدر الإسلام ووصولًا إلى العهود العبّاسيّة الأولى، والّتي سقطت خلالها سائرُ الحضارات من يونانيّة ورومانيّة وفارسيّة وغيرها، صريعةً أمام صرح الحضارة الإسلاميّة، خلت الساحة من مُنازل يستفزُّ فكر المجتمع الإسلاميّ. وبدا للمسلمين وكأنَّ حضارتهم هي آخر حضارات التاريخ، وأنّه لم يعد حول الأمّة الإسلاميّة إلاّ شعوب أمّيّة عزلى من أيّ رسالة حضاريّة ذات شأن. فلم يعد يتوجّب على الدولة الإسلاميّة بالتالي إلاّ أن تكون متيقِّظة، لتحافظ على مجتمعها من أيِّ خطر مادّيّ يمكن أن يشكّله عدوان عسكريّ يقوم به أحد الشعوب المجاورة على دار الإسلام، مع الشعور بالتقصير حين التوقّف عن الجهاد لفتح البلاد وتحويلها إلى دار الإسلام.