فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 301

إلاّ أنّ ظهور الحضارة الغربيّة المعاصرة على مسرح التاريخ، بعد اكتمال معالمها وقيام كياناتها السياسيّة، كان أخطر تحدٍّ يواجه تلك الأمّة. ذلك أنّ تلك الحضارة، هي الّتي قامت هذه المرّة بالمبادرة إلى النزال الحضاريّ والثقافيّ، متحدِّيّة الأمّة الإسلاميّة. أعانها على ذلك أنْ واجهت مجتمعًا تحجَّر تفكيره، وانعدمت الحيويّة الفكريّة فيه، وعاش على تراث الماضين من الفقهاء والعلماء، معتزًّا بدينه ونظامه ونمط عيشه وهيبة دولته،غير فاطن إلى عوامل الانحطاط الّتي دبَّت في كيانه. فراحت ترشق سهامها الفكريّة، تهاجم بها الإسلام وحضارته وأحكامه ومعالجاته وأنظمته ونمط عيشه. فأدّى ذلك بطبيعة الحال إلى أن تكون الحضارة الغربيّة في حال الهجوم، والأمّة الإسلاميّة في حال الدفاع.

لقد استهدف الغرب القضاء على الهويّة الحضاريّة للأمّة الإسلاميّة. فلقد أدرك بعد قرون من المواجهة معها أنّها لا تُغلب عسكريًّا ومادّيًّا، ما دام يقاتلها بوصفها"أمّة إسلاميّة". فكان القرار أن يتمّ تحويلها عن هويّتها تلك. وقد اتّخذ في سبيل هذه الغايّة العديد من الوسائل. كان من أبرزها وأمضاها أثرًا موضوعة"التفاعل الحضاريّ".

لطالما سمعنا وقرأنا المعزوفة المتكرِّرة حول نشوء الحضارات، من أنّ نشوء أيِّ حضارة إنّما هو ثمرة تفاعل حضارات شتَّى، وأنَّه ما من حضارة إلاّ واستمدَّت من غيرها واغتنت بنتاج مَن سبقها، وتثاقفت مع سائر الحضارات حتّى قامت مستويّة على أصولها، وأنَّه لا يمكن لحضارة أن تستمرَّ بمعزل عمّا حولها من الحضارات، وأنَّها حين تنغلق على نفسها، تكون قد حكمت على نفسها بالموت والزوال...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت