فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 301

وهكذا، دأبت تلك الغزوة الحضاريّة والثقافيّة على ترديد تلك المعزوفة على أسماعنا، لتقول لنا: إنَّ الحضارة الإسلاميّة لم تنتصب شامخة في التاريخ، إلاّ بعد أن شرب العرب عصارة الحضارات السالفة والمعاصرة لهم، وهضموها وشكّلوا منها مزيجًا جديدًا، فأفرزوها حضارةً جديدةً، كانت الحضارةَ"العربيّة"أو على حدّ تعبير بعضهم"الحضارة العربيّة الإسلاميّة"، وإنَّ المسلمين بقوا أصحاب حضارة زاهرة بقدر ما تابعوا عمليّة التثاقف مع الحضارات والثقافات الأخرى، فلمّا انغلق المجتمع الإسلاميّ على نفسه، دبَّ فيه الوهن، واعتراه الركود والجمود، فما على المسلمين اليوم، إن أرادوا عوداًََ إلى ازدهار حضاريّ، إلاّ أن يستأنفوا عمليّة التبادل الحضاريّ، فيتقبّلوا ما لدى الحضارة الغربيّة المعاصرة من مقولات وأطروحات ومفاهيم ومقاييس وأنظمة للحياة والمجتمع …

لقد اقتنعت جمهرة المثقّفين المسلمين بعد حين بهذه"النصيحة المخلصة"، فراحوا يتقبّلون -بتحفّظ بادئَ الأمر-بعض ثمار الحضارة الغربيّة، فلمّا استساغوا طعمها راحوا يطلبون المزيد، حتّى زالت كلّ العوائق الّتي كانت تقف أمام تلك الحضارة. فظهر الكثير في مجتمعنا، ممّن يردِّدون خطاب الحضارة الغربيّة بمضمونه الأصليّ الكامل، وطارت في الهواء دعاوى اقتباس ما"يتوافق مع شخصيّتنا"من الحضارات الأخرى، وظهر أنّها كلمة فضفاضة، لا مدلول واضح لها يترجمها على أرض الواقع.

وهكذا وجدت الأمّة الإسلاميّة نفسها فجأة وقد فقدت هويّتها، وأمست مسلوبة الشخصيّة، تستورد وتستهلك الأفكار والأنظمة الغربيّة، ولا تجد ما تصدِّره إلى هؤلاء الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت