فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 301

وقد كان المعتزلة، في استدلالهم على العقائد، يُكثرون من الاعتماد على العقل، وكانت كثير من آرائهم مبنيّة على أبحاث عقليّة. فإنّهم بعد أن استمدّوا أصول مذهبهم الخمسة من نصوص الوحي -ولا سيّما القرآن الكريم- راحوا ينشؤون آراءهم في سائر القضايا إنشاء عقليًّا متوافقًا مع هذه القضايا. وهذا المنهج أدّى بهم إلى إنكار العديد من الأحاديث الشريفة بحجّة أنّها تخالف الأصول القرآنيّة الّتي تبنّوها. كما أدّى بهم إلى تأويل الكثير من الآيات والأحاديث الّتي تتعارض -أو يتعارض ظاهرها- مع آرائهم العقليّة.

ولقد ظهرت مبالغتهم في تحكيم العقل حين قرّروا أنّ الحُسن والقُبح في الأفعال ذاتيّ وليس اعتباريًّا. وبالتالي يمكن إدراكه بالعقل، وقَبْل ورود الشرع، وأنّ الله تعالى حين حرّم بعض الأفعال،إنّما حرّمها لما فيها من قبح ذاتيّ، وحين أباح أفعالًا أو أمر ببعضها، فإنّما فعل ذلك لما فيها من حسن ذاتيّ. (1)

إنّ مذهب المعتزلة هذا،بما أثاره من مسائل وأدلى به من آراء وبنهجه الجديد الّذي أتى به وبإنكاره لبعض النصوص وتأويل الكثير منها،هو الّذي أثار حفيظة سائر العلماء من فقهاء ومحدّثين، فراحوا يذمّون الكلام وأهله.

إلاّ أنّ المواجهة بين الفريقين لم تكن لتستعر على النحو الّذي شهده العصر العبّاسيّ لولا قيام رؤوس المعتزلة الكبار بمحاولة فرض آرائهم واجتهاداتهم على سائر المسلمين-علمائهم وعامّتهم-بالقوّة، مستغلّين النفوذ الّذي تمتّعوا به منذ عهد الخليفة المأمون.

ج- المعتزلة في مواجهة المجتمع :

بعد أن بدا أنّ خطر الزنادقة والملحدين انحسر إلى حدّ كبير، التفت المأمون في العام الأخير من حياته (218هـ) ، برأي وتدبير من وزيره وكاتبه المعتزليّ"أحمد بن أبي دؤاد" (2)

(1) - انظر: الملل والنحل -ج1- ص45

(2) أحمد بن أبي دؤاد (160-240هـ)

أحمد بن أبي دؤاد بن جرير بن مالك الإيادي،أبو عبد الله: أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن. وفيه يقول المأمون: إذا استجلس الناس فاضلًا فمثل أحمد. وكان يقال: أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ثمّ ابن أبي دؤاد.وكان شديد الدهاء،محبًّا للخير.اتّصل أوّلًا في المأمون، فلمّا قرب موته أوصى به أخاه المعتصم،فجعله قاضي قضاته، وجعل يستشيره في أمور الدولة كلّها.ولمّا مات المعتصم اعتمد الواثق على رأيه. ومات الواثق راضيًا عنه. وتولّى المتوكّل، ففُلج ابن أبي دؤاد في أوّل خلافته سنة 233هـ،وتوفّي مفلوجًا ببغداد.قال الذهبي: كان جهيمًا بغيضًا، حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن، ولولا ذلك لاجتمعت الألسنة عليه.… (الأعلام للزركّلي)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت