فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 301

«ومن البدهيّات الّتي لا بدّ من إثباتها هنا أنّ مدرسة الحديث أو أهل الأثر كانوا هم السدّ العظيم الّذي حال دون تسلّل الخرافة وتفشّي البدعة في الحياة الإسلاميّة، وكانوا دائمًا وراء حركات التصويب وإعادة الأمّة إلى الجادّة والوقوف بالمرصاد لكلّ دارس أو باحث أو عابد تضلّ به الطريق، إلى درجةٍ لم يعد يجرؤ معها أحد أن يقول في الدين دون تحقيق... .

«لقد اجتهد علماء الحديث في رواية كلّ ما رواه الرواة -وإن لم يكن صحيحًا- ثمّ اجتهدوا في الاستيثاق من صحّة كلّ حديث وكلّ حرف رواه الرواة، ونقدوا أحوالهم ورواياتهم، واحتاطوا أشدّ الاحتياط، وحكموا بضعف الحديث لأقلّ شبهة، وقدّموا الجرح على التعديل، فكانت قواعدهم أصحّ القواعد للإثبات التاريخيّ» (1) .

وقد سبق وأشرنا إلى دور علم مصطلح الحديث وتراجم الرجال في نشأة المنهج التاريخيّ عند المسلمين. يقول"أحمد أمين"عن علم"تراجم الرجال": «عني به المسلمون قديمًا عناية غريبة فاقت غيرهم من الأمم في عصورهم، فما إن يظهر أحدٌ بالعلم والمعرفة -ولو برواية حديثٍ واحد أو خبر واحد- إلاّ ويهجم عليه العلماء ويرحلون إليه يأخذون عنه... وما إن يموت هذا المرويّ عنه الحديث أو الخبر، أو من اشتهر بعلم أو معرفة، حتّى يتسابق المؤرّخون إلى تدوين أصله ونسبه، والبلاد الّتي تنقّل فيها، والشيوخ الّذين أخذ عنهم، والأحداث الّتي عرضت له في حياته، وتاريخ وفاته وغير ذلك... فلمّا اتّسعت الحركة العلميّة وكثرت روايّة الحديث، ورأى العلماء أنفسهم بين أصناف من الرواة، صادق وغير صادق ومشكوك فيه، جرت ألسنتهم بالحكم على الأشخاص... وقام المحدّثون في هذا الباب بما يستخرج العجب، فبحثوا عن كلّ راوٍ وشرّحوه وحلّلوه» (2) .

(1) - همام عبد الرحيم سعيد - الفكر المنهجي عند المحدّثين - كتاب الأمّة، قطر - 1408 هـ - ص 10

(2) - ضحى الإسلام - ج2 - ص352 - 353

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت