فهرس الكتاب

الصفحة 208 من 301

وإذا كان المعتزلة هم الروّاد الأوائل الّذين قاموا بتلك المهمّة العظيمة، فإنّ ما أظهره الأشاعرة من نشاط في مواجهة الزنادقة وأهل الفلسفة والبدع لا يقلّ عنه أهمّيّة، بل ربّما بزّه بما يملك من انضباط في التفكير، وما بذله من محاولة التقيّد بنصوص الإسلام الأصيلة، أي القرآن والسنّة.

يقول الإمام"أبو حامد الغزاليّ"عند كلامه عن علم الكلام: «إنّما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنّة وحراستها عن تشويش أهل البدعة. فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحقّ على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار. ثمّ ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورًا مخالفة للسنّة، فلهجوا بها وكادوا يشوّشون عقيدة الحقّ على أهلها. فأنشأ الله تعالى طائفة المتكلّمين، وحرّك دواعيهم لنصرة السنّة بكلام مرتّب، يكشف عن تلبيسات أهل البدعة المحدثة على خلاف السنّة المأثورة، فمنه نشأ علم الكلام وأهله. فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه فأحسنوا الذبّ عن السنّة والنضال عن العقيدة المتلقّاة بالقبول من النبوّة والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة» (1) .

وبتعبير موجز: إنّ حركة علم الكلام هي النشاط الّذي تجلّى فيه الصراع الحضاريّ والفكريّ بين الإسلام وسائر العقائد والفلسفات والتيّارات الحضاريّة المختلفة. وقد أسفر الصراع -دون أدنى شكّ وباعتراف جميع من قرأوا التاريخ بإنصاف وموضوعيّة- عن انتصار ساحق للحضارة الإسلاميّة وهيمنة كاملة للثقافة الإسلاميّة. ومن هنا تأتي أهمّيّة علماء الكلام.

إلاّ أنّ هذه الحقائق التاريخيّة لا يجوز أن تستدرجنا إلى قبول أهل الكلام -بما لديهم من آراء ومنهج في التفكير والبحث والدراسة- قبولًا مطلقًا، دون نظرة نقديّة متأنّية.

(1) - المنقذ من الضلال - ص 14-15

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت