فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 301

فإذا خاض علماء الكلام تلك المعركة الفكريّة والحضاريّة مع خصومهم وخرجوا منها بذلك النصر المبين، فهذا لا يعني بالضرورة أنّهم لم يصابوا بشيء من وطيس المعركة. بل من الطبيعيّ أن نتوقّع احتمال اختراق بعض الشظايا الفكريّة لذلك الكيان الشامخ، وأن تتغلغل فيه بعض العناصر الّتي تناثرت في أجواء المعركة من حيث لا يدري هؤلاء الفرسان. يقول"عليّ سامي النشّار": «ممّا لا شكّ فيه أنّ المتكلّمين -وقد كانوا في وسط فلسفيّ وأمام هجمات فلسفيّة من أديان مختلفة، وعقائد فلسفيّة متعدّدة ومذاهب شرقيّة منتشرة في البلاد الّتي فتحوها- قد أخذوا منها بعض الأفكار الجزئيّة» (1) . وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن مدى تعبير علم الكلام عن الثقافة الإسلاميّة ومدى التزامه بمنهجها في التفكير والدراسة والدعوة إليها. وبالمقابل عن مدى تأثّره بسائر الثقافات والتيّارات الفكريّة.

لقد تباينت آراء الباحثين والمؤرّخين للثقافة الإسلاميّة، فيما يتعلّق بمدى نقاء علم الكلام الّذي نشأ في كنف الحضارة الإسلاميّة، أو مدى تأثّره بسائر الثقافات، ولا سيّما الثقافة اليونانيّة. فبينما يرى البعض أنّ علم الكلام هو نتاج إسلاميّ خالص بريء كلّ البراءة من سائر المؤثِّرات الثقافيّة والحضاريّة، يرى آخرون أنّ علم الكلام ما هو إلاّ وجه جديد للمنطق اليونانيّ، وبالتحديد للمنطق الأرسططاليسيّ. وما تبقّى من آراء عديدة تقف مواقف متفاوتة بين هذين الرأيين.

(1) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - ج1 - ص 54

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت