ومهما تعدّدت الآراء في مدى تأثّر علماء الكلام بالمنطق أو استفادتهم منه، فإنّنا نعود إلى استحضار حقيقة أساسيّة تتعلّق بعلم الكلام، وهي أنّ علماء الكلام لم يعتمدوا أبحاثهم الكلاميّة بهدف السير مع مقدّمات المنطق والذهاب معها حيث تذهب. وإنّما جعلوا العقيدة الإسلاميّة هي الأساس، واستعانوا بالأدلّة المنطقيّة -بنسب متفاوتة فيما بينهم- من أجل إثبات تلك العقائد في وجه خصومهم. فهم ركنوا إلى العقيدة الإسلاميّة وفق ما فهموه من القرآن الكريم من قبل أن يعتمدوا مقدِّمات المنطق في مناظرتهم لخصومهم. وبتعبير"ابن خلدون": «فموضوع علم الكلام عند أهله إنّما هو العقائد الإيمانيّة بعد فرضها صحيحة من الشرع، من حيث يمكن أن يُستدلّ عليها بالأدلّة العقليّة، فتُرفع البدع وتزول الشكوك والشُبَه عن تلك العقائد. وإذا تأمَّلْتَ حال الفنّ في حدوثه وكيف تدرّج كلام الناس فيه صدرًا بعد صدر، وكلّهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلّة، علمتَ حينئذ ما قرّرناه لك في موضوع الفنّ وأنّه لا يعدوه» (1) .
وبالتالي لم يكن للمنطق -مهما تكلّمنا في مدى ارتباطه بالفلسفة اليونانيّة- أن يؤدّي إلى تغيير معالم العقيدة الإسلاميّة، من حيث هي عقيدة،ولا أن يؤدّي إلى دخول الآراء الفلسفيّة إلى إيمان المسلمين. ومهما تكلّم المؤرّخون عن التشابه بين آراء المتكلّمين المختلفة وآراء الفلاسفة اليونانيّين، فإنّ اختلافات المتكلّمين تبقى اختلافات في فهم فروع العقيدة الإسلاميّة، الفروع الّتي تحتمل التأويل وتَعدُّدَ الأفهام حولها، ولا تمسّ أصل العقيدة بشيء.
(1) - مقدّمة ابن خلدون - ص 516