إنّ موضوع"علم الكلام"يكتسب أهميّة كبيرة في هذا البحث من حيث إنّ الحضارة الإسلاميّة كلّها إنّما تقوم على أساس واحد، هو العقيدة الإسلاميّة. وبما أنّ علماء الكلام انبروا -بعد حين من ظهور الإسلام - للتعبير عن هذه العقيدة والدعوة إليها والدفاع عنها أمام خصومهم، وكان لهم منهج خاصّ في البحث والتدليل على تلك العقيدة، وكان لهم دور في تشكيل ثقافة المجتمع الإسلاميّ، كان من الأهمّيّة بمكان الوقوف على علم الكلام، لمعرفة مدى انتمائه إلى الحضارة الإسلاميّة أو مدى تأثّره بما سواها من الحضارات من جهة أخرى .
حين نزل القرآن الكريم على عرب الجزيرة خاطبهم بالعقيدة الإسلاميّة معتمدًا على ملَكتين اثنتين يمتلكهما كلّ إنسان من حيث هو إنسان، ألا وهما: الفطرة والعقل .
أمّا الفطرة، فإنّها ما غرزه الله تعالى في النفس البشريّة من شعور بالحاجة
إلى الخالق المدبّر. وهو الشعور الناشئ عن الإحساس الطبيعيّ لدى الإنسان بالعجز والنقص والضعف، من حيث إنّه أتى إلى هذه الحياة وتوفّرت له أسبابها وسيخرج منها من غير حول ولا طول ولا قوّة منه. وبالتالي فإنّ الإنسان تلقائيًا - ومن غير تفكير في كثير من الأحيان - يشرع في البحث عمّن يلجأ إليه لسدّ ذلك النقص والعجز لديه.