لذلك اعتمد القرآن، في مجال الإيمان بالله الخالق المدبّر سبحانه، على تلك الفطرة الإنسانيّة. فالعديد من الآيات تلفت الانتباه إلى ذلك الشعور الفطريّ. قال تعالى: { وَِإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين } (1) . وقال عزّ وجلّ: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون } (2) .
وأمّا العقل، فإنّ خطاب القرآن لم يقتصر في مجال الدعوة إلى الإيمان بالله على الاعتماد على الفطرة، إذ إنّ هذه الفطرة غير العاقلة قد تضلّ طريقها حين تترعرع في بيئة موبوءة ومضلِّلة، فتلجأ إلى عبادة مخلوقات لا تستحقّ العبادة، لمجرّد أنّ المجتمع من حولها نصّبها آلهة من دون الله ونسب إليها صفات الألوهيّة . قال عليه الصلاة والسلام: «كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» (3) . لذلك عمد الإسلام إلى العقول المتبلّدة والأذهان المتحجّرة، وراح يصعقها صعقة تلو الأخرى، لتقوم بالدور المنوط بها، والّذي تنازلت عنه لصالح الهوى والتقليد الأعمى وتراث الآباء والأجداد. قال تعالى: { وَإِذَا قِيْلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آباءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُون } (4) .
(1) - سورة الأعراف - الآية 172
(2) - سورة الروم - الآية 30
(3) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري - مجلد 3 - ص616 - كتاب الجنائز - رقم الحديث ( 1385 )
(4) - سورة البقرة - الآية 170