«فلا ينبغي أن يتجاهل أحد ما في القرآن من ضروب الاستدلال القائم على البحث عن العلل، على قواعد الفكر الملزمة، ومن التنبيه المستمرّ على النظر العقليّ في الكون، والتأمّل لما فيه وعلى التدبّر في بناء العوالم وتوقُّف بعضها على بعض، ومن إشارات كونيّة ونفسيّة من شأنها أن توصل بالضرورة العقليّة إلى الغاية منه، وهي إنشاء وجهة نظر عن الذات الإلهيّة وعن الإنسان والكون والحياة. والقرآن يشير في كثير من المواضع إلى أنّ الدعوة الدينيّة"تذكرة"، هي تنبيه وإيقاظ للعقل لكي ينظر في الكون، ويؤمن بموجده، على سبيل الاستدلال العقليّ من الأثر على المؤثّر، ومن الإتقان والنظام والتدبير على المنظِّم المدبّر المتقن، وذلك بالتأمُّل في الكون وفي الإنسان وما يؤدّي إليه ذلك من معارف. هذه الآيات مثل: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالفُلْكِ الّتي تَجْرِي في البَحرِ بِما يَنْفَعُ النَاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِن السَّماءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فيها مِنْ كلّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون } (1) ، { وَفِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِين - وَفي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون } (2) ، { سَنُرِيْهِمْ آياتِنَا في الآفَاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ حتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنّه الَحقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنّه عَلَى كلّ شَيْءٍ شَهِيد } (3) ، { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُون - أَمْ خَلَقُوا السَّمَواتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُون } (4) ، { أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّمَواتِ والأَرْضِ } (5)
(1) - سورة البقرة - الآية 162
(2) - سورة الذاريات - الايتان 20-21
(3) - سورة فصلت - الآية 53
(4) - سورة الطور - الايتان 35-36
(5) - سورة إبراهيم - الآية 11