، وهكذا في سائر موضوعات الفكر والحياة» (1) .
والملاحظ في تلك الآيات الّتي تخاطب العقل وتحكّمه في مجال الإيمان بالله تعالى خالقًا مدبّرًا ، أنّها لا تعتمد أيّ شكل من أشكال المنهج المنطقيّ، ولا تمتّ بأيّ صلة إلى نمط البحث الفلسفيّ. وإنّما هي تعتمد ما لدى الإنسان من بديهيات عقليّة مستمدّة من الواقع المحسوس، دون الإغراق في المقدّمات النظريّة والتلازمات الذهنيّة والافتراضات المنطقيّة.
على هذا النحو صيغت عقليّة جيل الصحابة وطريقته في التفكير في العقيدة، وهو الجيل الّذي ضرب أعلى مثل للشخصيّة الإسلاميّة والمجتمع الإسلاميّ، كما قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني» (2) .
وعلاوة على ذلك، فإنّ صفاء أذهان عرب الجزيرة جعلهم يتلقّون هذه العقائد ببساطة وصفاء، دون أن تثير لديهم مشاكل افتراضيّة ونظريّة. فقد آمنوا بصفات الله تعالى كما وردت في القرآن وعلى لسان الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، دون الخوض في تفاصيلها، ودون التساؤل عن كنهها وكنه ذات الله تعالى. بل تعاطوا مع هذه العقائد في الجانب العمليّ، بحيث زادت من إيمانهم بالله تعالى وثقتهم به وتوكلّهم عليه وخشيتهم منه، والتضرُّع إليه ومراقبته في جميع سلوكهم وحياتهم .
إلاّ أنّ مسار الدعوة الإسلاميّة جلب من الظروف والأوضاع ما غيّر ذلك المنهج في فهم العقيدة وحملها إلى الناس لدى فريق من علماء المسلمين ومثقَّفيهم .
(1) - محمّد عبد الهادي أبو ريدة - النص مأخوذ من هامش كتاب: تاريخ الفلسفة في الإسلام -
ت.ج. دي بور- نقله إلى العربيّة وعلّق عليه د. محمّد عبد الهادي أبو ريدة - دار النهضة العربيّة،
بيروت - الطبعة الخامسة 1981 - ص 69-70
(2) - فتح الباري بشرح صحيح البخاري - مجلد 13 - ص 22 - كتاب الرقاق - رقم الحديث ( 6429 ) .