ذلك أنّ الفتوح ضمَّت إلى دار الإسلام بلادًا ذات حضارات وثقافات وأديان وعقائد عريقة، ضاربة بجذورها عميقًا عبر التاريخ. فأوجب ذلك، بطبيعة الحال ووفق توجيهات الإسلام، فتح جبهات الاحتكاك الثقافيّ والصراع الفكريّ الّتي لا يتأتّى حمل رسالة الإسلام بمعزل عنها. وكان من الطبيعيّ أن يستنفر صناديد تلك الثقافات والأديان كلّ قواهم الفكريّة والمعرفيّة واللسانيّة محاولين الذبّ عن هويّاتهم وخصوصيّاتهم الّتي ورثوها عن أجيال مضت. وكان هؤلاء أتباع ديانات عدّة، أهمها المانويّة والزرادشتيّة والبراهميّة والدهريّة والنصرانيّة واليهوديّة وغيرها. وكانت معظم تلك الديانات قد تسلّحت بأنواع الفلسفة، ولا سيّما اليهوديّة والنصرانيّة، اللتين تسلّحتا بالفلسفة اليونانيّة بالدرجة الأولى.
ولم يكن يتسنّى لعلماء المسلمين الردّ على هؤلاء، إلاّ بعد الاطّلاع على أقوالهم وأدلّتهم، فدفعهم ذلك إلى الإحاطة بالفرق الأجنبيّة وأقوالها وحججها، «فأصبحت البلاد الإسلاميّة ساحة تعرض فيها كلّ الآراء وكلّ الديانات ويُتجادل فيها، ولا شكّ أنّ الجدل يستدعي النظر والتفكير، ويثير مسائل تستدعي التأمّل، وتحمل كلّ فريق على الأخذ بما صحّ عنده من قول مخالفه» (1) . أضف إلى ذلك «أنّ كثيرًا ممّن دخلوا في الإسلام بعد الفتح كانوا أتباع تلك الديانات المختلفة، وكانوا قد نشأوا على تعاليم هذه الديانات وشبّوا عليها، وكان ممّن أسلم علماء في هذه الديانات ، فلمّا اطمأنّوا وهدأت نفوسهم، واستقرّت على الدين الجديد -وهو الإسلام- أخذوا يفكّرون في تعاليم دينهم القديم، ويثيرون مسائل من مسائله، ويلبسونها لباس الإسلام» (2) .
(1) - ضحى الإسلام - ج3 - 8
(2) - المرجع السابق - ج3 - ص 7