وهذه الأمثلة تقودنا إلى استكمال مسألة نشوء الحضارات. فإذا كانت الحضارات لا تولد مرّة واحدة بل تنشأ رويدًا رويدًا، فإنّ نشوءها هذا لا يمضي مستقلاًّ بمعزل عن بقيّة الحضارات. ذلك أنّه وإن كانت المجتمعات البشريّة تشكّل دوائر مستقلّة وكيانات فريدة، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ جدرانًا فولاذيّة ضُربت فيما بينها وجعلتها منعزلة تمام الانعزال بعضها عن البعض الآخر، بل إنّ الاحتكاك بين هذه المجتمعات أمر حتميّ، ولا سيّما حين تكون متجاورة في الزمان والمكان. قد تتعدّد وجوه هذا الاحتكاك، إلاّ أنّه بالنتيجة احتكاك له تأثيره، القليل أو الكثير، السلبيّ أو الإيجابيّ، المتبادل أو غير المتبادل. من هنا، نقرأ في التاريخ عن تأثّر الحضارة الرومانيّة باليونانيّة، وتأثّر تلك الأخيرة بحضارات بلاد ما بين النهرين، وهذه بدورها وليدة الحضارة السومريّة الّتي تأثرت بالحضارة المصريّة بشكل من الأشكال …
من هنا أيضًا نقرأ عن التأثير المتبادل بين حضارات الشرق الأقصى المختلفة (1) ... ولنفسح المجال أمام أحد أفضل التعابير عن هذه الحقائق، بقلم"محمّد أسد":
«إذا حاول المؤلِّف أن يمتدّ بنظره إلى ما وراء نضج حضارة ما واستوائها، فقد يستبين صورة هذه الحضارة في مراحلها الغضّة الأولى. ولكنّه سوف يعجز عن أن يتبيّن توقيت ميلاد هذه الحضارة أو طريقة نشوئها على نحو محدّد.
« ولعلّ هذا العجز عن التقصّي التاريخيّ راجع إلى أنّ الحضارات بوجه عامّ لا يمكن أن تولد كما يولد الأفراد، بل إنّها تنساب في غير تمايز إحداها في الأخرى دون أن تكون بين كلّ منها مرحلة انتقال بيّنة محدّدة .
(1) 2- انظر: محمّد أسد وآخرون - الإسلام والتحدي الحضاريّ - من ص 15 حتّى 24