قد يصطلح المؤرّخون على التأريخ لحضارةٍ ما مع قيام دولة من الدول، باعتبار أنّ تلك الدولة قامت على أسس تلك الحضارة وتشكّلت بها وأبرزتها حيّة قائمة في معترك الحياة السياسيّة. إلاّ أنّهم بالتأكيد لن يعدّوا قيام هذه الدولة حدثًا حضاريًا منقطعًا عن المراحل التاريخيّة السابقة له. بل يدرسون تلك المراحل بوصفها مهدًا لتلك الحضارة، أو بوصفها التربة الّتي نبتت فيها وترعرعت حتّى قامت مستويّة على أصولها. وبتعبير"غوستاف لوبون": «نعم، إنّ أعمال الرجال وآثارهم تعبّر عن أفكارهم ومشاعرهم وتمكِّننا من تصوّر الّذي كانوا فيه، ولكنّ هذا لا يكفي، فالأمم نتيجة ماضٍ طويل وليست الأمم بِنْتَ ساعة واحدة، وهي محصول ما خضعت له من البيئات المختلفة التأثير، ولذا يفسَّر حاضرها بماضيها» (1) . فإذا اصطلح المؤرِّخون على جعل قيام الدولة الرومانيّة الأولى في روما بداية لدراسة الحضارة الرومانيّة، فهذا لا يعني أنّهم قطعوها عن الحضارات السالفة، بل هم يعدّون الحضارة الرومانيّة وريثة الحضارة اليونانيّة، بل يرى الكثير منهم أنّها امتداد لها. والحضارة اليونانيّة في نظرهم هي ثمرة امتزاج العديد من الظواهر الحضاريّة السابقة لها والمعاصرة، إضافة إلى إبداع الشعوب اليونانيّة وتأثير بيئتها…
(1) 1- حضارة العرب - ص 32