فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 301

لذلك يمكننا القول، إنّ مذهب الأشعريّ ربيبِ المعتزلة، لم يكن انقلابًا على علم الكلام. وإنّما كان انقلابًا على أساتذته المعتزلة روّاد الكلام الأوائل، بعد أن آلت دولتهم إلى الاندثار. بل ربّما كانت حركته عمليّة إنقاذ لهذا"العلم". فقد اعتلى عرش علم الكلام، لينشئ له مجدًا عجز المعتزلة عن صنعه. فإذا كان علم الكلام قد بقي حتّى القرن الثالث الهجريّ منبوذًا في المجتمع مرفوضًا لدى غالبيّة الفقهاء والمحدّثين، فإنّ الأشعريّ راح يفتِّح له أبواب القبول لدى كثير من هؤلاء العلماء، هو وورثة مذهبه من بعده.

لقد عمد الأشعريّ إلى المسائل الّتي أثارها المعتزلة، والّتي أدلوا فيها بآراء أثارت حفيظة الفقهاء والمحدّثين وخالفت ظواهر كثير من الآيات والأحاديث أو أدّت إلى إنكار بعض الأحاديث، عمد إلى هذه المسائل، لا ليلغيها، وإنّما ليتبنىّ فيها الرأي الّذي يوافق ما يقوله المحدّثون والفقهاء.

وقد كان للانتصار الّذي حقّقه الإمام"أحمد بن حنبل"أثر كبير -فيما يبدو- في"تفكير الأشعريّ". فممّا يقوله في كتابه"الإبانة عن أصول الديانة": «قولنا الّذي نقول به، وديانتنا الّتي ندين بها: التمسّك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ وبسنّة نبيّنا- صلى الله عليه وسلم - وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث. ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل نضّر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الّذي أبان الله به الحقّ، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشكّ الشاكّين، فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظَّم وكبير مفخّم، وعلى جميع أئمّة المسلمين» (1) .

(1) - أبو الحسن عليّ بن إسمعيل الأشعري - الإبانة على أصول الديانة - تحقيق عبد القادر الأرناؤوط - مكتبة دار البيان، دمشق- الطبعة الأولى 1401هـ/1980م - ص17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت