فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 301

وفي موضع آخر يقول: «ادّعت طائفة من الصوفيّة أنّ في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل،وقالوا من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلّها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلّت له المحرّمات كلّها من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا إنّنا نرى الله ونكلّمه، وكلّ ما قذف في نفوسنا فهو حقّ…» (1) .

إلاّ أنّه من المهمّ التنبّه إلى أنّ ظاهرة التصوّف، على الرغم من استفحال أمرها خلال القرنين الثالث والرابع، بقيت تعدّ ظاهرة غريبة ولم تجد لنفسها مكانًا لائقًا لدى الرأي العامّ، ولا سيّما ذلك القسم الّذي ظهر ارتباطه بالفلسفة وحمل عقائد وأفكارًا مناقضة للعقيدة الإسلاميّة. فكما لاحظنا أنّ فلاسفة الإسلام المشاّئين،"كالكنديّ"و"الفارابيّ"و"ابن سينا"و"ابن رشد"، لم يعيشوا في العالم الإسلاميّ إلاّ كدوائر ملفوظة عن تيّار الفكر الإسلاميّ العامّ، فكذلك كان شأن أصحاب التصوّف الفلسفيّ. إنّ «هؤلاء لا يمثّلون الإسلام في شيء. إنّهم فلاسفة صوفيّون آمنوا بالغنوص كفكرة، وصبغوا مذاهبهم بصبغة خارجيّة غير إسلاميّة. إنّ منهم من اتّخذ عليًّا وأولاده مُثُلًا عليا للحياة الإنسانيّة السامية الّتي تستند إلى التأمّل الباطنيّ الذاتيّ، ومنهم من حاول أن يغلّف مذهبه بآيات قرآنيّة، حفاظًا فقط على حياته، إذا أعلن مذهبه. ومنهم من حاول التوصّل إلى كنه الوجود في نظرة عامّة شاملة فلسفيّة، ومنهم من حاول أن يجد في الخالق صورة المخلوق، أو أن يلغي ما بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة الإنسانيّة من تمايز وإنية، أو أن يجد في أصل الوجود عنصرين مختلفين للخير والشرّ، وكيف يتخلّص الإنسان من عنصر الشرّ» (2) .

(1) - المرجع السابق - ج4 - ص 226

(2) - نشأة الفكر الفلسفي - ج1 - ص 212

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت