وهكذا نرى أنّ التصوّف «بدأ زهدًا فتصوّفًا ففلسفة، أو بمعنى أدقّ، بدأ التصوّف في مرحلته الأولى يتّخذ تصوّراته وحقائقه من القرآن والسنّة،ثمّ انتقل إلى مرحلة التصوّف، فبينما كانت المرحلة الأولى مرحلة عمليّة، كانت المرحلة الثانية مرحلة عمل ونظر، فتكلّم الصوفيّة عن الأذواق والمواجيد وخطرات القلب ومراحل الطريق الصوفيّ. وأخذوا يحدّدون تفسيرات مقابلة لتفسيرات الفقهاء والمتكلّمين للمعاني الدينيّة. ومضى التصوّف في السير فانقلب أخلاقًا عند أهل السنّة والجماعة وفلسفة عند طائفة مزجوه بعلوم اليونان وبحكمة المشارقة الأقدمين، والفيدا الهندي واليوجا وتراث الهند جميعه، مزجوا هذا كلّه في فلسفة ظاهرها إسلاميّ وباطنها غير إسلاميّ» (1) .
ولكن، يبدو أنّ القرن الخامس بدأ يشهد نوعًا جديدًا من التصوّف،استطاع أن يجعل من نفسه ظاهرة"رسميّة"في المجتمع الإسلاميّ.وذلك حين راح بعض العلماء يعمل على إحياء التصوّف"الحارثيّ والجنيديّ"في مواجهة التصوّف الفلسفيّ الّذي اعتنق أفكار"الحلول والاتحاد"و"وحدة الوجود"وما شاكلها.
يقول"ماجد عرسان الكيلاني": «أمام الانحرافات الّتي أصابت ميدان التصوّف برز التصوّف السنّيّ ليتصدّى لهذه التيّارات المنحرفة، وليطهّر الساحة الصوفيّة من آثارها. وقد مثّل هذا التصدّي مدرستان، كلاهما امتداد للجنيديّة: المدرسة الأولى في نيسابور، والثانية في بغداد. أمّا مدرسة نيسابور فقد قادها أبو نصر السرّاج المتوفّى في عام 378هـ. وعليه تتلمذ أبو عبد الرحمن السلميّ صاحب الطبقات المتوفّى عام 412هـ. وعلى السلميّ تتلمذ عبد الكريم بن هوازن القشيريّ المتوفّى سنة 465هـ.وممّن اقتفى أثر السرّاج، الهجويري المتوفّى عام 465هـ كذلك.
(1) - المرجع السابق - ج3 - ص 20