فهرس الكتاب

الصفحة 265 من 301

وأبعد من ذلك، يذهب"البيرونيّ"إلى وجود تشابه بين فكرة الهنود عن الخوارق الّتي يقوم بها البرهميّ، وبين تفسير بعض المفسّرين ذوي النزعة الصوفيّة، للآية الواردة في قصّة"ذي القرنين" { إنّا مَكَّنَّا لَهُ في الأَرْضِ } (1) , بأنّ التمكّن هو للصوفيّة خاصّة، وأنّه يعني إن شاء طويت له الأرض،وإن شاء مشى على الماء والهواء، لا يقاومه في قصده شيء (2) .

وأخيرًا يتكلّم"البيرونيّ"على"نظريّة الفناء"،فيقرّر أن طريق"باتنجل"-وهو صاحب أحد الكتب الهنديّة- أثّر في صوفيّة الإسلام، فيقول: «وإلى طريق باتنجل ذهبت الصوفيّة في الاشتغال بالحقّ، فقالوا: ما دمت تشير فلست بموحّد حتّى يستولي الحقّ على إشارتك بإفنائها عنك، فلا يبقى مشير ولا إشارة» . ويرى أنّ كلام الصوفيّة في"الفناء"أدّى بهم إلى القول"بالاتّحاد"، وهو يشبه في هذا كلام الهنود. ويشير إلى التشابه بين فكرة"الفناء"الهنديّة وبين قول أحد المتصوّفة: «اخلع الكلّ تصل إلينا بالكلّيّة، فتكون ولا تكون، إخبارك عنّا، وفعلك فعلنا» ، وقول آخر: «إنّي انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحيّة من جلدها، ثمّ نظرت إلى ذاتي، فإذا أنا هو» (3) .

ويرى"البيرونيّ"أنّ فكرة"مقامات النور والظلمة"هي فكرة هنديّة، فقد ذهب الصوفيّة إلى أنّ بين العبد والله ألف مقام من مقامات النور والظلمة، وأنّ على السالك أن يقطع مقامات الظلمة حتّى يصل إلى مقامات النور، فإذا وصل إلى مقامات النور،لم يكن له رجوع عنها. وهي -كما يرى"البيرونيّ"- تشبه تمامًا أقوال الهنود (4) .

(1) - سورة الكهف - الآية 84

(2) - المصدر السابق - ص 63

(3) - المصدر السابق - ص66-67

(4) - المصدر السابق - ص67 - ولقد استعنت في عرض آراء البيرونيّ بما أورده علي سامي النشار في كتابه"نشأة الفكر الفلسفي"،الجزء الثالث من ص 47 حتّى ص 52

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت