وهكذا نشأ الجدال والنقاش بين المسلمين وأهل الأديان، فكان ذلك من أهمّ العوامل الّتي أثارت حركة فكريّة ونشاطًا ثقافيًّا في البلاد الّتي ضُمّت إلى دار الإسلام من تخوم الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسيّ غربًا ثمّ إلى تخوم بلاد الفرنجة شمالًا. وكانت المجادلات والنقاشات والمناظرات، منصبّة على القضايا الدينيّة بشكل أساسيّ. فكلّ فريق يريد أن يُثبت صحّة العقائد الّتي تشكّل أساسًا لدينه. إذ لكلّ ديانة نظرتها إلى الإيمان بالله وصفاته وإلى اليوم الآخر والنعيم والعذاب، ولكلّ ديانة أنبياؤها ورجالها الّذين تعلي شأنهم ، ولكلّ واحدة منها نظرتها الخاصّة إلى الحياة والإنسان والكون .
إلاّ أنّ الملاحظ أنّ الجدال لم يقتصر على القضايا الدينيّة. ذلك أنّ الشعوب الّتي غزاها الإسلام كانت في غالبها متسلّحة بأفكار فلسفيّة،لها مدارسها وأوساطها المزدهرة، ولا سيّما النصارى الّذين تسلّحوا بالفلسفة اليونانيّة، وراحوا يستخدمونها، لتأييد آرائهم الدينيّة من جهة، ولإثارة التساؤلات والمعضلات الفكريّة أمام الفاتحين الجدد، الّذين خرجوا بالإسلام للتوّ، من جزيرةٍ لم يكن لها سابق عهد بأيّ فلسفة من الفلسفات (1) .
(1) - انظر: فجر الإسلام - من ص (128) حتّى ص (134)