فأمّا عن القسم الأوّل، فإنّنا نجد أنّ المجتمعات تتمايز فيما بينها بمجموعة من المعارف، فيختصّ كلّ واحد منها بثقافة تكون له سمةً دون غيره. فلكلّ مجتمع عقائده ووجهة نظره عن الحياة، ولكلّ مجتمع مفاهيمه ومقاييسه وقناعاته ومثله العليا وأهدافه الكبرى وقيمه الخاصّة. وهذه العناصر تأتلف فيما بينها لتشكّل بنيانًا ثقافيًّا متمايزًا، تملأ جوانبَهُ مجموعةٌ من المعارف الّتي تكيّفت وتشكّلت وفق طرازه. فالدراسات اللغويّة والتاريخيّة والأدبيّة وغيرها، عليها أن تساهم في إبراز تلك الثقافة، فتتمايز هي بدورها بين مجتمع وآخر. فليس الأدب العربيّ كالأدب الصينيّ ولا كالأدب الهنديّ، وليست دراسة التاريخ لدى الأميركيين كما هي لدى الروس أو لدى اليابانيّين … وهكذا .
وأمّا القسم المعرفيّ الثاني، فإنّنا نجده علومًا تتّسم بالمعرفة البحتة الخالصة من أيّ انتماء، فهي حياديّة يمكن لأيّ مجتمع أخذها والانتفاع بها أو بقسط منها ما وجد في نفسه حاجة إليها. صحيح أنّ هذه العلوم تنشأ في أرض مجتمع من المجتمعات، وصحيح أنّ بعض العلوم تحظى باهتمام لدى بعض الشعوب أكثر مما تحظى به لدى أخرى، إلاّ أنّها لا ترتبط بالهويّة الخاصّة والشخصيّة المتميّزة لتلك الشعوب، فهي عالميّة السمة وليست محلّيّة. فعلوم الطبّ والفيزياء والكيمياء والرياضيّات والهندسة والفلك وما شاكلها لا تنتسب إلى أمّة دون أخرى ولا تتمايز -في طبيعة دراستها- بين المجتمعات تبعًا لاختلاف أنماطها وطرائق عيشها، وإنْ تفوَّق مجتمع على آخر في دراستها واستخدامها وتطويرها