فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 301

من هنا حرصتُ في دراستي هذه على تحديد مصطلح"الحضارة"ونشأته والمعنى المراد منه أوّلًا، ثمّ انتقلت إلى تعريف «الحضارة» . وقد يتساءل القارئ هنا: ما الفرق بين هذين الاثنين؟! فأسارع بالقول:

إنّ هناك فرقًا كبيرًا بين اختيار مصطلحٍ ما للتعبير عن معنى معيَّن، وبين تعريف ذلك المعنى الّذي تمّ اختيار المصطلح للتعبير عنه. ولتوضيح ذلك المعنى أضرب هذا المثال الواضح:

إن استخدام مصطلح «العقل» للدلالة على الملَكة الّتي يتمتّع بها الإنسان ويتميّز بها عن سائر الحيوان ليست محلَّ نزاع ولا خلاف بين الناس، مهما تنوّعت اختصاصاتهم وتوجُّهاتهم. إلاّ أنّ تعريف ذلك الشيء الّذي يطلِق عليه الجميع اسم العقل هو الّذي يثير كثيرًا من الخلاف، فنقع على تعريفات عديدة للعقل. فهناك من عرّفه بأنه «غريزة يتهيّأ بها إدراك العلوم النظريّة» (1) ، وهناك من عرّفه بأنّه انعكاس الواقع على الدماغ (2) ، وهناك من يعرِّفه بأنه عمليّة ربط المحسوسات بالمعلومات المخزونة في دماغ العاقل لإصدار الحكم على الواقع (3) .

لذلك فإنّ أوّل مهمّة تقع على عاتق هذه الدراسة هي عرض نشأة المصطلح وتطوّره وما استقرّ عليه، وهو العرض الّذي ستصحبه بطبيعة الحال التعريفات المتداولة للحضارة، ومن ثَمَّ الوصول إلى تعريف جامع مانع"للحضارة"، وهو الشرط الّذي يجب توفُّره في أيّ تعريف حتّى يُعَدَّ تعريفًا صحيحًا ومنضبطًا.

(1) - انظر: الإمام أبو حامد محمّد بن محمّد الغزاليّ - إحياء علوم الدين -دار المعرفة، بيروت-1403هـ 1983م - ج1-ص85

(2) - انظر: الموسوعة الفلسفيّة - إشراف روزنتال وب.يودين - ترجمة سمير كرم - دار الطليعة ، بيروت 1987 - مادّة: الفكر

(3) - انظر: محمّد أبو حمدان - الفلاسفة والفكر الإسلاميّ - دار الكتاب اللبناني،بيروت 1985 - ص 20 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت