إنّ القارئ لهذه السطور يفهم منها أنّ الفلاسفة انتصروا على الفقهاء وعلماء الدين! فأين هذا الكلام من الحقيقة التاريخيّة؟! إنّنا لا نستغرب أن نجد من يتبنّى الفلسفة اليونانيّة وإفرازاتها من الفلاسفة الإسلاميّين، حتّى من بين الكتّاب العرب أنفسهم، ذلك أنّ لكلّ فكر أنصاره، قلّوا أم كثروا.ولكن، أن يجري إقحام هذا العنصر الغريب في إطار الحضارة الإسلاميّة وأن يُنسب إلى الثقافة الإسلاميّة، فهذا ما لا يشفع له أيّ شاهد، لا من التاريخ ولا من الفكر. فلا الفلسفة من الإسلام في شيء، ولا هي استطاعت أن تجد لنفسها موقعًا في تاريخ المجتمع الإسلاميّ.
والأغرب من ذلك، هو الهجوم العنيف على الفقهاء، من مثل وصفهم بالمتزمّتين والناعقين والمفلسين والظلاميّين وما شاكل ذلك، هؤلاء الفقهاء الّذين لولاهم ما عرف المجتمع هويتّه الحضاريّة الإسلاميّة. ومن يدقّق في المجتمع الإسلاميّ، يجد أن لا مكان للكلام عن الحضارة الإسلاميّة وطراز العيش الإسلاميّ وأنظمة المجتمع الإسلاميّ وأهدافه وقيمه ومثله العليا… بمعزل عن الفقهاء. إذ هم الّذين تولّوا مهمّة التعبير عن مقوّمات المجتمع تلك، من خلال فهمهم لنصوص الوحي. ونترك التعبير عن هذه الحقيقة التاريخيّة لأحد مشاهير المستشرقين، وهو"ريمون بلوخ"، الّذي يقرّر: «أنّ الإسلام يسيطر على مجمل حياة الإنسان، سواء في ذلك حياته الروحيّة والأخلاقيّة، أو نشاطه الاجتماعيّ والسياسي. كلّ شيء يستند إلى الوحي، وهو الرباط الوثيق الّذي يجمع أمّة الإسلام» (1) . فأين هؤلاء الفلاسفة من هذا الوحي وأحكامه وتوجيهاته؟!
(1) -"الحضارة الإسلاميّة في عصرها الذهبي"لدومينيك وجانين سورديل - المقدمة بقلم ريمون بلوخ - ص 8