وأمّا المنطق فلم يتّخذ المسلمون منه الموقف ذاته الّذي اتخّذوه من الفلسفة، لأنّهم رأوا فرقًا شاسعًا ما بين العلمين، على ما بينهما من ارتباط واتّصال. وهذا يقودنا إلى إيضاح الفرق بين مدلول كلّ من المصطلحين. ولسنا هنا بمعرض البحث عن تعريف دقيق لكلّ منهما. فهذا ممّا يتنازع فيه أهل الاختصاص أنفسهم، ولا يليق بهذا البحث التاريخيّ الدخول في لجّة هذا الخلاف. لذلك نقتصر على ما يعطي فكرة عن موضوع كلّ من المصطلحين.
أمّا الفلسفة -بمعناها الّذي رفضه علماء الإسلام- فهي بحث في ما وراء الكون والإنسان والحياة، أي بحث في ما وراء المادّة أو الطبيعة، وهو ما يسمّى بالميتافيزيقا، وما يسمّيه علماء المسلمين -وفق المصطلح القرآني- بالغيب. وبصرف النظر عن الآراء العديدة لدى الفلاسفة حول ما وراء الطبيعة، رفض المسلمون هذه الأبحاث على أساس أنّ الإسلام -من خلال نصوص الوحي الّتي أتى بها والّتي قام الدليل العقليّ الجازم على كونها كلام الله- كفل للإنسان فكرة كلّيّة عن الكون والإنسان والحياة وعمّا قبل الحياة الدنيا وما بعدها وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، ما يكفيه لمعرفة الغاية من حياته، وبالتالي لاتّخاذ طريقة معيّنة في العيش، تكفلها الشريعة الإسلاميّة الّتي نظّمت كافّة سلوك الإنسان. وسنؤجّل تفصيل الكلام عن موقف المسلمين من الفلسفة إلى فصول خاصّة.
وأمّا المنطق، الّذي يُنسب دائمًا إلى المتكلّمين أنّهم تأثّروا به وأخذوه وجعلوه أساسًا لأبحاثهم، فما هو؟ وما هي صلته بالفلسفة؟