إنّ الحضارة هي ذلك الجانب من الثقافة الّذي تحوّل إلى مفاهيم مشتركة في مجتمعٍ ما. بحيث شكّل عرفًا عامًّا له وصاغ مشاعر الناس فيه واستأثر برعايّة شؤونهم، فجعله مجتمعًا معيّنًا ذا شخصيّة خاصّة وهويّة متميّزة. وبناءً عليه، من الخطأ إدخال المعارف الثقافيّة الّتي لم تتحوّل إلى واقع يعيشه الناس في مجتمعهم في مفهوم الحضارة. فإذا كانت الثقافة الغربيّة الحديثة والمعاصرة -على سبيل المثال- تحوي العديد من التيّارات الفكريّة المتفاوتة - وربما المتضاربة - فلا يصحّ أن نُدخل في مفهوم"الحضارة الغربيّة"إلاّ تلك الّتي وجدت قبولًا لدى الرأي العامّ، فتحوّلت عرفًا عامًّا أسهم في صياغة المجتمع ونمط عيشه. وأمّا ما سواها فإنّها تبقى ثقافات فرديّة مهما كثر أتباعها من"الأفراد". وبتعبير مختصر: إنّ الحضارة هي"الثقافة المكوِّنة"للمجتمع، وهو المصطلح الّذي اقترحه بعض المفكِّرين الألمان، ولفظه في الألمانيّة"Bildung" (1) .
(1) - انظر: جغرافيا الحضارات - ص21