ويحاول"آدم متز"أن يفصم عروة الارتباط الوثيق بين المحدّثين، بوصفهم متمسّكين بالنصوص الدينيّة، والفقهاء الّذين حاولوا -حسب رأيه- التحرّر من تلك النصوص والاستمداد من التشريعات السابقة للإسلام. فيقول: «الواقع أنّه ظهر في هذا الميدان الفقهيّ ما ظهر في غيره من الميادين، وأهمّ ما حدث هو تسرّب آراء في التشريع - ممّا كان قبل عهد الإسلام - إلى الفقه الإسلاميّ، كما أُحييت من جديد بعض النظريّات اليونانيّة والرومانيّة القديمة. وكان يمثّلها الفقهاء، ويخالفهم أصحاب الحديث المتمسّكون بالسنّة القديمة والّذين يقيسون الحياة بمقياس نصوص الوحي والسنّة النبويّة. ولم يشأ هؤلاء المتمسّكون بالقديم أن ينزلوا عن مكانتهم بسهولة» (1) .
ويورد"دافيد سانتلانا"تعريفًا للفقه لدى المذهب الحنفيّ، وهو «معرفة النفس ما لها وما عليها بحيث يصل بها إلى معرفة طريق الحقّ في الحياة الدنيا ويهيّؤها للحياة الأخرى» ، ثمّ يقول: «ويجمل بنا أن نورد ما قاله فقهاء القانون الرومانيّ عن صناعتهم تلك،"الفقه الرومانيّ هو علم الأمور الإنسانيّة والإلهيّة"» (2) ، ليصل من خلال هذه المقارنة إلى القول بتأثّر الفقهاء الكبير بالتشريع الرومانيّ. ويستدلّ بتعامل المسلمين بالنقود المضروبة قبل الإسلام ليقول: «وهنا ندرك كم كان تأثير الأفكار الإغريقيّة عميقًا ونفوذها بعيد الغور» (3) .
ويقول"أندريه ميكيل": «اضطرّت دولة الإسلام إلى الأخذ بمعطيات الواقع والتراث، وخاصة النظام الضريبيّ للأنظمة الّتي سبقتها. ولم تكن الضريبة العقاريّة والعشريّة والجزية من المفاجآت لسكّان بيزنطة وطيسفون القدماء» (4) .
(1) - الحضارة الإسلاميّة - ج1 - ص 387-388
(2) - تراث الإسلام - جمهرة من المستشرقين بإشراف سيرتوماس أرنولد - تعريب جرجيس فتح الله - دار الطليعة ، بيروت - طبعة ثالثة 1978 - ص 419
(3) - المرجع السابق - ص 415
(4) - الإسلام وحضارته - ص 108