وهنا لا بدّ من الرجوع إلى المعايير الّتي قدّمناها في هذا البحث، للتفريق بين الاقتباس الحضاريّ والانتفاع المدنيّ. فلقد قرّرنا أنّ الحضارة إنّما هي المفاهيم الّتي تعطي المجتمع وجهة نظره عن الحياة، وبالتالي تمنحه هويّته الخاصّة وطرازه في العيش. بينما تنضوي الأشكال والوسائل المادّيّة المتنوّعة ضمن خانة"المدنيّة"الّتي لا تختصّ بالضرورة بحضارة من الحضارات، والّتي يمكن للأمم والمجتمعات أن تتبادلها وتأخذها من بعضها البعض، دون أن يكون لها بالضرورة تأثير على هويّتها الحضاريّة. والأشكال والأساليب الإداريّة لا تخرج عن هذا الإطار، إطار المدنيّة .
وعلى هذا الأساس نطلق حكمنا على الدواوين فنقول: إنّما هي شكل من أشكال الإدارة والإحصاء والمحاسبة، يمكنه أن يخدم أيّ نوع من أنواع أنظمة الحكم والاقتصاد وما شاكل ذلك. فهو لا يختلف -من حيث تصنيفه- عمّا نعرفه اليوم من أنظمة المحاسبة الّتي تُعدّ علمًا يدرَّس في جامعات العالم كلّه، دون أن يكون متأثّرًا بأنظمة الحكم والاقتصاد المختلفة، ودون أن يكون للانتماء الحضاريّ لتلك الجامعات أيّ تأثير فيه. وهو شبيه أيضًا بأجهزة الكومبيوتر الّتي لا تعرف الحدود الإثنيّة والحضاريّة والقوميّة والسياسيّة، بل هي على استعداد لخدمة الجميع دون استثناء. وهذا ما فعلته أنظمة الدواوين والكتّاب، إذ إنّها قبل أن تقدِّم خدماتها للفرس والمسلمين، قدّمتها للدول الّتي سبقتها. لذلك يستغرب"حسّان حلاّق"من «أنّ أكثر المراجع والمصادر العربيّة لا تشير إلى أنّ الفرس أنفسهم كانوا قد اقتبسوا نظام الدواوين وغيره من أنظمتهم من نظم إداريّة لشعوب سيطروا عليها من قبل» (1) .
(1) - دراسات في تاريخ الحضارة الإسلاميّة - ص 28